دراسة عراقية حول الانقلابات العسكرية في موريتانيا

ناقشت دراسة عراقية تداعيات الانقلاب العسكري والانتخابات الرئاسية في موريتانيا، ونشرت الدراسة التي جاءت بعنوان"موريتانيا.. بين تداعيات الانقلاب العسكري والانتخابات الرئاسية ؟" في مجلة الاستاذ الصادرة عن جامعة بغداد.

وقد اعد الدراسة الباحثان " د. محمود صالح الكروي ،أستاذ العلوم السياسية المساعد/ جامعة بغداد، و فيصل شلال عباس المدرس المساعد/ كلية التربية - ابن الهيثم/ جامعة بغداد، اللذين وضحا جذور الانقلابات العسكرية ونتائج الانقلاب الأخير في موريتانيا وتوضيح أبعاده الداخلية والإقليمية وموقف دول المغرب العربي منه والموقف الدولي.
وخصص الباحثان حيزا من البحث لعلاقة موريتانيا بإسرائيل، وما ستؤول اليه نتائج الانتخابات، وجاءت نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة مطابقة لرؤية البحث.

وفيما يأتي نص البحث:

موريتانيا.. بين تداعيات الانقلاب العسكري والانتخابات الرئاسية؟

مقدمة

شكلت ظاهرة الانقلابات العسكرية علامة فارقة في تاريخ موريتانيا السياسي المعاصر أنفردت بها عن سائر النظم السياسية في عالم الجنوب، بحيث مثلت هذه الظاهرة على مدى ثلاثة عقود من الزمن خروجا ً على الدساتير الموريتانية المتعاقبة (1).وآخرها دستور 1991 الذي يؤكد على الاخذ بالنظام الديمقراطي والتعددية الحزبية؛ كما شكلت تجاوزاً على الشرعية الدستورية والعملية الديمقراطية والقانون الانتخابي لاختيار الرئيس وأليات المشاركة السياسية، وقد بين الدكتور محمد الامين ولد سيدي باب في كتابه مظاهر المشاركة السياسية في موريتانيا (2). بعض عوائق الممارسة الديمقراطية التي تجعلها في أزمة، ونعتقد أن من بين أبرز تلك العوائق الانقلابات العسكرية، إذ شهدت موريتانيا خمسة عشر انقلابا عسكريا – حتى كتابة هذا البحث - كان أولها في 10/7/ 1978 وآخرها في 6/ 8/2008 ؛حالف البعض منها النجاح فيما مني البعض الآخر بالفشل،ولم تكن هذه الانقلابات من حيث المبدأ ذات دوافع واحدة،وإنما كانت في شكلها تمثل ظاهرة وان اختلفت في دوافعها وخلفياتها.هذه الظاهرة لم تأخذ حقها في البحث والدراسة والتقصي، وبما أن مجال البحث لا يتسع لدراسة كل الانقلابات بتسلسل تأريخ وقوعها،لهذا جاء اختيار موضوع البحث بهدف الوقوف على دوافع الانقلاب الأخير وتداعياته على التجربة الديمقراطية الوليدة في موريتانيا، وبيان الموقف الداخلي والإقليمي والدولي من الانقلاب، ومن ثم رسم مشاهد مستقبلية لما يمكن أن يكون عليه الوضع السياسي في موريتانيا مع إجراء الانتخابات الرئاسية في 6/حزيران- يونيو/2009.

أولا ً: جذور الانقلابات العسكرية

لم تقتصر الانقلابات العسكرية على شمال أفريقيا وموريتانيا على وجه التحديد منذ النصف الثاني من القرن العشرين وإنما طالت اغلب النظم السياسية في عالم الجنوب، وهناك من يُرجع أسباب هذه الانقلابات إلى عوامل ثلاث هي:-(3)

1- عوامل عسكرية داخلية: ومرد ذلك قد توجد في صفات المؤسسات العسكرية نفسها في الأقطار الأفريقية، وتشمل تلك الصفات ضعف الانضباط العسكري بمتطلبات المهنة وما يرتبه من ضعف الالتزام الوطني لدى القوات المسلحة بسبب التركيب العرقي والديني والطبقي لمنتسبي الجيش.

2- العوامل الاجتماعية: التي هي محصلة مشكلات التخلف الاقتصادي العام ومرونة المؤسسات وضعف السلطة وضعف إجراءاتها وباختصار فان مشكلات التخلف العام تمثل العامل الأكثر التصاقا ً بموضوع الانقلابات العسكرية لأنها تترك آثارها على بنية المؤسسة العسكرية.

3- العامل الخارجي: وهو من العوامل الأساسية التي تُعجل في حدوث الانقلابات بما تقدمه من دعم مادي ودبلوماسي واستشارة لقادة الانقلاب وهي خارجة عن إرادة المجتمع لكنها ترتبط بحسابات مصالح مع الدول الساندة والمنفذين للانقلاب من المؤسسة العسكرية.

ثانيا- دوافع الانقلاب العسكري

وهو الانقلاب الذي وقع في 6/8/2008، والذي أطاح بالرئيس المنتخب سيدي محمد ولد الشيخ

1-أول دستور موريتاني بعد الاستقلال بتاريخ20/أيار-مايو/ 1961.

2-د. محمد الأمين ولد سيدي باب، مظاهر المشاركة السياسية في موريتانيا، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت ايلول/ سبتمبر/ 2005.

3-علي أي مزروعي ومايكل تايدي، القومية والدول الجديدة في افريقية، ترجمة شاكر نصيف لطيف، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1990 ص 29 -30.

إقرأ ايضاً :

عبد الله(1)الذي أنتخب من قبل الشعب رئيسا للجمهورية في 25/3/2007والذي حظي بدعم وإسناد من منفذي الانقلاب العسكري نفسه في حينه(2).

.وقد سبقت هذا الانقلاب تطورات سياسية على الساحة الموريتانية شكلت الارضية المناسبة ومهدت لهذا الانقلاب الذي كانت له دوافعه المباشرة وغير المباشرة:-

الدوافع المباشرة:

1-وجود نوع من الصراع داخل مؤسسة البرلمان بدء قبل ثلاثة اشهر من الانقلاب،عندما قدم البرلمانيين المؤيدين للعسكر طلبا ًبرلمانياً.بعقد جلسة طارئة للمصادقة على تأسيس محكمة عدل سامية للنظر في مصادر تمويل هيئة خيرية لزوجة الرئيس(خنتو بنت البخاري)والذي جوبه بالرفض(3).ثم اقدام زوجة الرئيس على توجيه اتهام لنواب مجلس الشيوخ بالفساد.(4 )

2-قيام مجموعة من النواب في الحزب الحاكم الذي ينتمي له الرئيس ولد الشيخ عبد الله بالعصيان واعلانهم الاستقالة الجماعية،حيث قدم 52 عضواً في البرلمان و 32 عضواً في مجلس الشيوخ من الحزب الحاكم (العهد الوطني للديمقراطية والتنمية)استقالتهم لاختلافهم مع الرئيس في ادارة شؤون الحكم.(5)

3- رتبت هذه الاستقالة ما يشبه الفوضى السياسية فيما بين الاحزاب الحاكمة وقوى المعارضة التي تتقاطع مع الرئيس في سياسته الداخلية والخارجية.(6)

4-اتخاذ الرئيس الموريتاني ولد الشيخ عبد الله قرارات تفضي بعزل كبار ضباط الجيش كان ينظر اليهم على انهم مؤيدون لخصومه في البرلمان اذ اصدر الرئيس مرسوما ً باقالة الجنراليين محمد ولد عبد العزيز قائد الحرس الرئاسي،ومحمد ولد الغزواني قائد اركان القوات المسلحة، وذلك ضمن الصلاحيات الدستورية الممنوحة له بأعتباره قائدا ً اعلى للقوات المسلحة.(7)

الدوافع غير المباشرة:

1- فشل الحكومة في التوصل لاي نوع من الحوارات الجادة مع قوى المعارضة سواء المشاركة في البرلمان او خارجه،ولم تقدم تلك الحكومة اي خطوة نحو استيعاب قوى المعارضة، مما ادى ذلك الى حدوث تصادم أو قطيعة شبه تامة الامر الذي لم يعد ممكنا ً ان يعمل الفرقاء معا ً لخدمة المصالح العليا للبلاد.(8)

2- العامل الاقتصادي وقد تمثل بسيطرة مجموعة معروفة على الموارد المهمة للدولة مما خلق طبقات غنية على حساب عموم الشعب،وقد عزز ذلك من حالة التذمر لدى فئات واسعة من الشعب مما أسهم في تعميق الازمة السياسية،ولعل الانقلاب العسكري ما هو الا مظهرا ً من مظاهر تلك الأزمة السياسية.(9)

3- طموح قادة الانقلاب لتحصين الجيش من التأثيرات المتنامية للحركات الإسلامية في الساحة الموريتانية.(10)

4- عدم ارتياح فرنسا لسياسة ولد الشيخ عبد الله الداخلية، بعد اتخاذه خطوات منها (إطلاق سراح السجناء

1-ولد في ولاية البراكنة الموريتانية عام 1938، تلقى علومه الابتدائية والاعدادية في موريتانيا والسنغال. حصل على شهادة الدراسات المعمقة dea في الاقتصاد من فرنسا، عاد الى بلاده وشغل منصب مدير التخطيط ثم وزير الاقتصاد، عام 1978 اعتقل على اثر اول محاولة انقلاب، عام 1982 سافر الى الكويت وعمل مستشارا ً اقتصاديا ً للمصارف الكويتية للتنمية الاقتصادية والعربية. عاد الى موريتانيا بدعوى من الرئيس ولد الطايع وشغل منصب وزير الطاقة والمياه ثم وزير الصيد والاقتصاد، اعتقل عام 1987 بعد خلاف مع ولد الطايع، سافر الى الكويت عام 1989 ليعمل مستشار لوزير النيجر لدى الصندوق الكويتي. عاد الى بلده عام 2003، عام 2004 شارك في اول حوار بين الاغلبية والمعارضة، عام 2005 شارك في جلسات الايام الوطنية للتشاور، رشح نفسه للانتخابات الرئاسية عام 2006، ثم انتخب رئيسا ً للبلاد في 25/آذار- مارس/ 2007