موسوعة الثقافة الإسلامية

صورة ابن الفائق



مرحبا أخوتي الاعضاء


اليكم هذه الصفحة الجديدة والمتجددة بإذن الله تعالى والتي نتناول فيها موضوعات حول الثقافة الإسلامية


ولنبدأ بأول موضوع وهو : ـ




الثقافة الإسلامية تخصص علمي



من تخصصات العلوم الإسلامية وتخصص دقيق في الدراسات العليا


مقدمة:

شهد العالم الإسلامي في الربع الثالث من القرن العشرين يقظة إسلامية، فقد استطاعت معظم أقطار العالم الإسلامي أن تتحرر من الاحتلال الأجنبي وتنعم بحياة الاستقلال، وبدأت خيرات البلاد الإسلامية وكنوزها تعود إلى أهلها شيئًا فشيئًا، وظهرت هنا وهناك دعوات إلى إقامة المجتمع الإسلامي الذي يعتمد نظام الإسلام في شؤون الحياة كلها، وقامت نهضة علمية واقتصادية وصناعية حققت كثيرًا من أحلام المصلحين وآمالهم.
غير أن الصورة المضيئة لم تكن كاملة، فقد شهد هذا العالم كوراث ونكبات، وتعرض لانقسامات ومظاهر من الانحراف والبعد عن الطريق القويم تفوق ما مر عليه طيلة قرون طويلة[1].
كل هذا يجعل أمرًا محتمًا أن يعرض الإسلام على حقيقته عرضًا شاملاً واضحًا بحيث تبدو جميع معامله متناسبة الأجزاء، مع بيان حكمة تعاليم الإسلام وتفوق مبادئه على جميع الأديان والمذاهب والأنظمة الأخرى.

إن مادة الثقافة الإسلامية تحرص على إعطاء الطالب صورة شاملة عن الإسلام قبل أن يدخل في التفصيلات، فهي لا تبحث في التوحيد أو الفقه أو التفسير أو غيرها من العلوم الإسلامية كعلوم قائمة بذاتها ولكنها تستفيد من هذه العلوم جميعًا للتعرف على حقيقة الإسلام، وروح الثقافة والحضارة الإسلامية وطبيعة هذا الدين المتميز الذي يجمع بين رغبات الروح والجسد.
قال الله تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآْخِرَةَ وَلاَ تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ}[2][3].
ومن هنا نشأت فكرة أن الثقافة الإسلامية تخصص علمي من تخصصات العلوم الإسلامية، وتخصص دقيق في الدراسات العليا، وذلك لأن تخريج معلمين متخصصين في تدريس الثقافة في المراحل الأولى والمراحل الجامعية يتطلب متخصصين في هذا الفن ومن هنا نشأت أقسام للثقافة الإسلامية في أكثر جامعاتنا وأقسام للدراسات العليا لهذا الفن الجديد.
وقد تلقت كلية الملك فهد الأمنية دعوة كريمة من جامعة الملك فيصل لحضور هذه الندوة المباركة واخترت أن أكتب في المحور الأول وهو "الثقافة الإسلامية تخصص علمي من تخصصات العلوم الإسلامية وتخصص دقيق في الدراسات العليا".

ويتناول الموضوعات التالية:
1- نشأة علم الثقافة الإسلامية وتميزه عن التخصصات الإسلامية الأخرى.
2- الاختلاف في تعريف الثقافة الإسلامية والتعريف المعتمد تدريسه.
3- منهج البحث لعلم الثقافة الإسلامية.
4- مصادر علم الثقافة الإسلامية.
5- قضايا علم الثقافة الإسلامية وأثرها في الحياة المعاصرة.
6- الصورة المعاصرة لتأصيل علم الثقافة الإسلامية كتخصص في برامج الدراسات العليا.
وفي الختام أسأل الله أن يلهمنا الرشد والصواب وأن يرزقنا صدق النية وحسن العمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

أولاً: نشأة علم الثقافة الإسلامية وتميزه عن التخصصات الإسلامية الأخرى:
إن علم الثقافة الإسلامية بمفهومه الشامل المتضمن دراسة الكليات الإسلامية وأًوله في الوجود كله قد نشأت أولاً من منهج الكتاب والسنة في عرض رسالة الإسلام بجوانبها المتعددة في وحدة متكاملة، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[4]، وقوله: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}[5]، وقوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[6]، وقوله: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}[7].
فهذه الآيات القرآنية جمعت في نسق واحد توجيهات تشريعية عملية وعقدية، وأخلاقية، وتربوية، هي جميعًا من صميم علم الثقافة الإسلامية، ثم نشأت ثانيًا من منهج صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين فهموا رسالة الإسلام وأهدافه فهمًا عميقًا شاملاً يدل عليه الرسائل المتبادلة بين الخلفاء الراشدين وعمالهم وولاتهم في شموليتها لكل جوانب الإسلام. وسار أئمة العلم على هذا المنهج بعد الصحابة، وكانوا علماء بالإسلام كله لا ببعض أجزائه[8].
وفي العصر الحاضر حينما سهل الاتصال بين الناس وتيسرت وسائل المعرفة جهدت التيارات الهدامة في نشر مبادئها فأصبح من السهل على الإنسان أن يأخذ تصورًا كاملاً عن مذهب ما من تلك المذاهب من خلال كتاب واحد يجمع أصوله في كل النظم[9].
فاتجه بعض العلماء والمفكرين غيرة على دين الله وتقديمًا للبديل الصحيح المتمثل بالإسلام إلى الدراسة الشمولية للإسلام من خلال بيان النظم الإسلامية أو النظام الإسلامي في مجال التربية والصحة والأسرة والسياسة والاقتصاد ونحوها من الموضوعات.
كما يقوم على دراسة الشبهات التي أثارها بعض المفكرين اللبراليين والمستشرقين، فيما يتعلق بالمرأة وعملها، والرق، والوحي، والنبوة، والزواج، والتاريخ المزيف عن المسلمين أو الإسلام. ودراسة الاستشراق وبيان ما فيه من المفاسد والمصالح.
ويقوم أيضًا على دراسة التيارات الفكرية الحديثة كالعلمانية والوجودية والرأسمالية والماسونية والصهيونية وغيرها من المذاهب والفرق الضالة. وبيان أخطائها وأخطارها[10].

ثانيًا: الاختلاف في تعريف الثقافة الإسلامية والتعريف المعتمد تدريسه في المرحلة الجامعية:
نظراً لكون كلمة الثقافة ذات أبعاد كبيرة ودلالات واسعة يضيق عن استيعابها النطاق اللغوي لأصل الكلمة، ونظرًا لكون هذه الكلمة من الألفاظ المعنوية التي يصعب على الباحث تحديدها* شأنها في ذلك شأن لفظ: التربية والمدنية وغيرهما من المصطلحات التي تجري على الألسن دون وضوح مدلولاتها في أذهان مستعمليها. ونظرًا لكون علماء العربية والإسلام لم يستعلموا كلمة الثقافة بالمعنى الواسع ولم يقيموا علمًا مستقلاً يسمى بالثقافة، وإنما جاء التعبير بهذه الكلمة وليد الأبحاث والدراسات الحديثة. نظرًا لهذا كله فإنه لم يوجد حتى الآن تعريف محدد متفق عليه لمصطلح الثقافة الإسلامية وإنما هي اجتهادات من بعض العلماء والمفكرين الإسلاميين، ومن هنا تعددت التعريفات لهذا المصطلح.
فثمة اتجاه يجعل (حياة الأمة الإسلامية) أساسًا يدور عليه التعريف، وبهذا تكون الثقافة الإسلامية مرادفة للدراسات الإسلامية أو العلوم الإسلامية.
وثمة اتجاه يرى أن الثقافة الإسلامية علم جديد، له موضوعاته الخاصة التي تميزه عن غيره من العلوم الإسلامية كالحديث أو التفسير أو الفقه.

ونظرًا لهذه الاتجاهات تعددت التعريفات بحسب التصورات على النحو التالي:
1- التعريف العام للثقافة الإسلامية (معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة، بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، من دين ولغة وتاريخ وحضارة، وقيم وأهداف مشتركة بصورة واعية هادفة).
ويقوم هذا التعريف على دراسة حياة الأمة الإسلامية من جميع جوانبها على أساس أن لكل أمة ثقافتها التي هي عنوان عبقريتها وثمرة اجتهادها.

2- التعريف الخاص للثقافة الإسلامية (معرفة مقومات الدين الإسلامي، بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، والمصادر التي استقيت منها هذه المعوقات، بصورة نقية مركزة).
ويعني هذا التعريف دراسة العلوم الإسلامية الصرفة بجوانبها المتعددة مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية وما أضافه علماء العقيدة والتفسير والحديث والفقه والسيرة من ثمرات الفكر الجاد والاجتهاد الأمين.
التعريف المميز للثقافة الإسلامية:
معرفة التحديات المعاصرة، المتعلقة بمقومات الأمة الإسلامية ومقومات الدين الإسلامية صورة مقنعة موجهة.
ويقوم هذا التعريف على دراسة العلوم العصرية الجديدة التي أخذت تتطلب من المسلمين استخلاص الكائنات الفكرية من شتات التراث الإسلامي، وتقديمها في بحوث مستقلة متكاملة، لمواجهة التحديات العلمية الغربية في مجالات التربية والصحة والعلم والأسرة والسياسة والاقتصاد وغيرها من الموضوعات.
كما يقوم على دراسة الشبهات فيما يتعلق بالمرأة وعملها، والرق، والوحي، والنبوة... الخ.
ويقوم أيضًا على دراسة التيارات الفكرية المعاصرة كالعلمانية والوجودية والماسونية والرأسمالية وغيرها من المذاهب والفرق الضالة.
وعلى هذا المعنى تكون الثقافة الإسلامية علمًا مستقلاً مميزًا عن غيره من العلوم الإسلامية الأخرى، كالتفسير والحديث والفقه، وهو علم جديد له موضوعاته الخاصة وأسلوبها الخاص وكتابه الخصوصيون، جاء ميلاده وظهوره على إثر التحديات المعاصرة للإسلام والمسلمين[11].
وتستطيع الثقافة الإسلامية بهذا المعنى أن تلعب دور التوجيه السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والصحي والعلمي والديني، لبناء القومية الإسلامية على غرار مقررات الثقافة القومية عند الأمم الأخرى.
وهذا هو التعريف المعتمد تدريسه في المرحلة الجامعية في جامعاتنا من وجهة نظري، وهذا واضح في كتاب مدخل إلى علم الثقافة الإسلامية للدكتور عبدالرحمن الزنيدي ص(2-3)، حيث قال في تعريف الثقافة الإسلامية بأنها: (علم كليات الإسلام في نظم الحياة كلها بترابطها) وهو أستاذ الثقافة الإسلامية في كلية الشريعة بالرياض - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
وكذلك واضح في مقدمات الثقافة الإسلامية للدكتور مفرح بن سليمان الجوس الأستاذ المساعد بقسم الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة جامعة الإمام ص:29، حيث قال معلقًا على تعريف الزنيدي السالف الذكر، ولعل هذا التعريف الأخير هو أفضل تلك التعريفات وأقربها إلى الصواب لاشتماله على موضوعات الثقافة الإسلامية الرئيس، ولأنه تعريف كلي وليس تعريفًا جزئيًا.
ووضح في كتاب دراسات في الثقافة الإسلامية تعريف الدكتور محمد عبدالسلام محمد وآخرين) ص:13.
كما أن هذا الاتجاه معمول به في كثير إن لم يكن في كل الجامعات في العالم الإسلامي. أما الثقافة الإسلامية التي تدرس في وزارة التربية والتعليم فهي تتولى مهام الثقافة الإسلامية بمعناها العام من خلال مناهجها العامة - وهناك بعض الجامعات والمعاهد العليا تمزج بين التعريفين الثاني والثالث-.

ثالثًا: منهج البحث في علم الثقافة الإسلامية:
من أبرز القواعد المنهجية لعلم الثقافة الإسلامية ما يلي:

1- الكلية: فالثقافة الإسلامية تبحث في الإسلام بصفته كلاً مترابطًا ووحدة متكاملة وتؤكد التداخل بين نظمه من أجل أن يعطي هذا العلم آخذه تصورًا متكاملاً عن الإسلام في جوانبه المختلفة العقدية والعبادية والجانب التعليمي والخلقي والعائلي والاقتصادي والسياسي ومفاهيمه العامة كالحرية والتسامح
وغيرهما[12].

2 - المقارنة: وهي من دعائم هذا المنهج لأن هذا العصر هو عصر الصراع بين المذاهب والأفكار لاسيما بين الإسلام والثقافة الغربية بفرعيها الديمقراطي والاشتراكي الاجتماعي، والمنهج المقارن يركز على تيارات الفكر المعاصر وقضاياه إلا أنه لا يغفل بحال من الأحوال التيارات والمذاهب الفكرية الغابرة المتجددة
3 - التأصيل: فمع أن علم الثقافة الإسلامية علم مقارنة إلا أن منهج هذه المقارنة تابع لمنهج التأصيل، والتأصيل بهذا المقام بحث النظم الإسلامية من خلال الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح ومنهم علماء الإسلام المعتبرون.
4 - النقد: علم الثقافة الإسلامية ليس علم مقارنة وتأصيل فحسب بل هو علم نقد في الوقت نفسه فهو ينقد بموضوعية علمية المذاهب المعاصرة الاشتراكية والتطويرية والرأسمالية أو حتى تلك التي تحارب الإسلام ونظمه كالاستشراق والتنصير[13].
رابعًا: مصادر علم الثقافة الإسلامية:
مصادر الثقافة الإسلامية تنقسم إلى قسمين أصلية وفرعية:

1- المصادر الأصلية:
أ ) القرآن الكريم: فالقرآن هو المصدر الأول للثقافة الإسلامية فيه خبر من قبلنا ونبأ من بعدنا وفضل ما بيننا، وهو سجل الكون الإلهي ونظام الحياة العالمية، وقد اشتمل على أحكام ثابتة كالعقيدة والأخلاق والآداب وجميع ما نص عليه بنصوص قطعية الثبوت والدلالة وأخرى متغيرة لكن كلها قواعد وأصول كلية وصدق الله إذ يقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}[14] وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}[15].
ب ) السنة المطهرة وهي المصدر الثاني للتشريع وهي التي جاءت مفسرة وموضحة ومؤكدة ومفصلة ومخصصة لمجمل وعلوم القرآن الكريم.

2- المصادر الفرعية فكثيرة منها الإجماع والقياس والاستحسان والمصلحة المرسلة وغيرها بشرط ألا تخالف نصً في كتاب أو سنة أو أصلا مجمع عليه من علماء الأمة الإسلامية وتشمل أيضًا التراث الإسلامي وكل ما ورثناه عن السلف الصالح من علوم ومعارف وأفكار واجتهادات في شتى المجالات المختلفة وتشمل أيضًا الخبرات الإنسانية النافعة مع أن الإسلام يؤكد على الاستقلال والتميز لكنه يكره العزلة عن الناس والحياة والمسلم كائن اجتماعي وإنساني وعلى هذا فالخبرات الإنسانية النافعة خليق بأن تكون مصدرًا إضافيًا للثقافة الإسلامية، على أن تكون من أمور الدنيا التي لا تتعارض مع نصوص القرآن والسنة والقواعد والكليات المتفق عليها في الشريعة الإسلامية لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) أخرجه مسلم[16](16).
خامسًا: قضايا علم الثقافة الإسلامية وأثرها في الحياة المعاصرة:
أهم القضايا التي تبحثها الثقافة الإسلامية هي:

أولاً: نظم الدين الإسلامي ومن أهمها ما يلي:
1- نظام العقيدة.
2- نظام العبادة.
3- نظام الدعوة والاحتساب.
4- النظام التعليمي.
5- النظام الخلقي.
6- النظام العائلي.
7- النظام الاقتصادي.
8- النظام السياسي.
وهذه النظم يبحثها علم الثقافة من حيث مصدرها، وأسسها، وخصائصها وأهدافها وآثارها ومسائلها الكبرى وأما التفصيلات فشأن المتخصصين في هذه النظم.

ثانيًا: المفاهيم المتعلقة بالنظام الإسلامي ومنهجه:
مثل: الحرية، والتسامح الديني، والعلم، والتجديد في مجال الدين، وحقوق الإنسان المدنية وغيرها فهذه المفاهيم يسعى علم الثقافة إلى تأصيلها على أساس من المنهجية الإسلامية المعتمدة على الكتاب والسنة ومنهج السلف الصالح، ودفع المفاهيم الخاطئة فيما يتعلق بالموضوعات السالفة الذكر.

ثالثًا: القوى المعادية للإسلام وأهله:
ومن أهمها الاستشراق والتنصير والماسونية والصهيونية، حيث يبحث علم الثقافة الإسلامية شبهات هذه القوى والرد عليها وبيان ضررها على الإسلام والمسلمين.

رابعًا: المذاهب والنظريات الحديثة:
ومن أهمها الرأسمالية الاشتراكية وأما النظريات فأهمها العلمانية والتطويرية والوجودية والفرويدية، حيث يسعى علم الثقافة الإسلامية إلى بيان ما يتفق من تلك المذاهب مع الإسلام وما يختلف معه كما يسعى إلى نقد مبادئها الفاسدة وإثبات إخفاقها في إسعاد البشرية ونجاح الإسلام ومبادئه.
وأما أثرها في الحياة المعاصرة فلا شك أنه أثر كبير جدًا حيث كان المسلمون في العصور المتأخرة قد حصر بعضهم الإسلام في قضايا العقيدة والعبادة والحدود وانزوى المسلمون عن ممارسة الحياة العامة في ضوء الإسلام فجاءت الثقافة الإسلامية في ثوبها الجديد لتوضيح أن الإسلام نظام شامل وكامل للحياة وأن العبادة في الإسلام كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة. كما تم تبيين مفاهيم الحرية والديموقراطية والمدنية وغيرها من المفاهيم بما يتفق ومبادئ الدين الإسلامي.
كما ناقشت الثقافة الإسلامية المذاهب المعاصرة وناقشت شبهها ومناهجها نقاشًا علميًا هادئًا ومن هنا نشأت ثقافة إسلامية متميزة واستطاع الكتَّاب الإسلاميون أن يصنعوا الشخصية الإسلامية المتميزة التي تسعى إلى بناء حضارة وثقافة إسلامية خاصة مع الاستفادة من النظريات الأخرى بما لا يتعارض مع عقيدتنا الإسلامية الصافية[17].
وأدى إلى تصنيف الثقافة الإسلامية في المجال العقدي دراسة تأصيلية لقضايا الجهاد وشروطه وضوابطه حيث كثر الخلط في هذه النقطة عند كثير من شبابنا المعاصرين وكذلك الولاء والبراء وفي المجالات العامة التركيز على قضايا حقوق الإنسان بمفهومها الإسلامي وتطبيقاتها في أنظمتنا المعاصرة والتركيز على بيان حقوق غير المسلمين من المواطنين وغيرهم والتحدث عن المواطنة وبيان منهج الفكر الإسلامي فيها وأنها في محصلتها لا تتعارض مع أصول وقواعد الشريعة الإسلامية، وكذلك الحديث عن قضايا الإرهاب وموقوف الإسلام منها والشبهات التي تثار في هذا الجانب والحديث عن مفهوم الأمن في الإسلام ومبادئه وركائزه.
وقد قامت كلية الملك فهد الأمنية بمناقشة هذه القضايا في منهج الثقافة الإسلامية الجديد وكذلك منهج مادة حقوق الإنسان.

خامساً: الضرورة المعاصرة لتأصيل علم الثقافة الإسلامية كتخصص من برنامج الدراسات العليا:
بما أننا قد توصلنا إلى أن الثقافة الإسلامية علم جديد ومعاصر وأنه أصبح مستقلاً عن غيره من العلوم الإسلامية له موضوعاته الخاصة وأسلوبه الخاص وكتابه الخصوصيون فإن بقاءه وتطوره مرهون بتخريج أجيال تقوم بتأصيله وتطويره وتدريسه في جميع المراحل وخاصة المراحل الجامعية، فقد دأبت بعض الجامعات الإسلامية كجامعة الأزهر، وجامعة أم القرى بمكة المكرمة إلى جعل الثقافة الإسلامية قسمًا متخصصًا ولكن مع الدعوة فسمته قسم الدعوة والثقافة الإسلامية ومنحت جامعة الأزهر رسائل الماجستير والدكتوراه في الثقافة الإسلامية، وأما جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية فقد أنشأت قسمًا خاصًا سمته قسم الثقافة الإسلامية في كلية الشريعة وكان يمنح رسائل الماجستير والدكتوراه في مجال الثقافة الإسلامية ولكنها أوقفت الدراسات العليا في هذا التخصص ولا ندري ما السبب. ولكن بقاءه مغلقًا يمثل تراجعًا كبيرًا لهذه الجامعة العظيمة ولكن بعض التيارات الفكرية التي تدعي السلفية كان لها دور في هذا الأمر.
وإني لأرجو من جميع الجامعات الإسلامية أن تحرص على الدراسات العليا في مجال الثقافة الإسلامية حتى نخرج المفكرين الإسلاميين الذين يتصدون للقضايا المعاصرة في مجالات الفكر والمذاهب الفكرية المعاصرة.
وإني لأرجو أن تكون جامعة الملك فيصل بالأحساء سباقة إلى هذا الأمر والله أسأل للجميع التوفيق والسداد.

الخاتـمة:
توصلت في هذه الورقة المختصرة إلى نتائج من أهمها:
1- أن علم الثقافة الإسلامية علم جديد نشأ في القرن العشرين نتيجة الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين.
2- اختلف الباحثون المعاصرون في تعريف الثقافة الإسلامية لكن رجحت أن تعريف الثقافة الإسلامية هو: ((معرفة التحديات المعاصرة المتعلقة بمقومات الأمة الإسلامية ومقومات الدين الإسلامية بصوره مقنعة وموجهة)) وبهذا التعريف تكون الثقافة الإسلامية علمًا مستقلاً.
3- تبحث الثقافة الإسلامية الإسلام بصفته كلاً مترابطًا ووحدة متكاملة وأن الثقافة الإسلامية تؤصل وتنقد، تؤصل الإسلام من خلال نظمه الإسلامية لتنتقد المناهج المعاصرة نقدًا علميًا.
4- الثقافة الإسلامية لها مصادر أصلية هي القرآن والسنة وفرعية هي المصادر التشريعية الأخرى والتراث الإسلامي والخبرات الإنسان التي لا تتعارض مع الدين الإسلامي.
5- تناقش الثقافة الإسلامية نظم الدين الإسلامي والمفاهيم العامة مثل الحرية والتسامح الديني والعلم والقوى المعادية للإسلام والمذاهب والنظريات الحديثة.
6- أن الضرورة تقتضي تأصيل علم الثقافة الإسلامية كتخصص دقيق في الدراسات العليا لتخريج معلمي الثقافة الإسلامية في الدراسات العليا والجامعية وتخريج المتخصصين والمفكرين الإسلاميين في هذا المجال.
ـــــــــــــــــــــ
[1] معالم الثقافة الإسلامية، تأليف عبدالكريم عثمان، ط3، الرياض، مؤسسة الأنوار، 1399هـ-1979م، ص(3).
[2] سورة القصص، الآية (77).
[3] انظر: معالم الثقافة الإسلامية، ص(7-8).
[4] سورة الحج، الآية (77).
[5] سورة الأعراف، الآية (29).
[6] سورة آل عمران، الآية (104).
[7] سورة الحديد، الآية (25).
[8] راجع مقدمات في الثقافة الإسلامية لمفرح بن سليمان القوس، ط2، دار الغيث للنشر، الرياض، 1418هـ-1998م، ص(30)، وراجع مدخل إلى الثقافة الإسلامية لعبدالرحمن الزنيدي، ص(2-3).
[9] مقدمات في الثقافة الإسلامية، ص(31).
[10] راجع دراسات في الثقافة الإسلامية، تأليف محمد عبدالسلام محمد وآخرون، ط5، الكويت، مكتبة الفلاح، 1408هـ-1987م، ص(12-13).
[11] راجع فيما مضى دراسات في الثقافة الإسلامية، ص(11-13)، ومقدمات في الثقافة الإسلامية، ص
(27-29)، ومدخل إلى الثقافة الإسلامية، تأليف سعود بن سلمان آل سعود ونعمان السامرائي، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1419هـ-1998م، ص(29)، ونظرات في الثقافة الإسلامية، تأليف محفوظ على عزام، الرياض، دار اللواء، 1404هـ-1984م، ص(28-23)، وأضواء على الثقافة الإسلامية، لنادية شريف العمري، ط7، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1477هـ-1997، ص(17).
[12] راجع: مقدمات في الثقافة الإسلامية ص(33-34)، وأضواء على الثقافة الإسلامية ص(49-50)، ودراسات في الثقافة الإسلامية ص(12).
[13] راجع: مقدمات في الثقافة الإسلامية ص(35-35)، ودراسات في الثقافة الإسلامية ص(12، 13).
[14] سورة الأنعام، الآية (38).
[15] سورة الإسراء، الآية (9).
[16] راجع فيما سبق دراسات الثقافة الإسلامية ص(26 حتى 28)، ومدخل إلى الثقافة الإسلامية ص(47)، ومقدمات في الثقافة الإسلامية ص(35-36)، ونظرات في الثقافة ألإسلامية ص(33).
[17] راجع: مقدمات في الثقافة الإسلامية ص(32-33)، ونظرات في الثقافة الإسلامية ص(31-32)، ودراسات في الثقافة الإسلامية ص(24-25).










تحياتي وانتظروا المزيد

شكرا شكراً

شكرااااً

صورة ابن الفائق

بين ركائز العلم والدين

د. التهامي محمد الوكيل
عضو
رابطة علماء المغرب



إننا لنرى من قبيل إجزال الشكر للسلف الصالح والصادق من العلماء الجهابذة، أن نسير على نهجهم، فنقلب الآيات القرآنية والظواهر الطبيعية والكونية والإحيائية والإنسانية المتعلقة بها من جميع جوانبها كما كانوا يفعلون، ولكن هذه المرة بإشراك كفاءات متعددة يفرضها عامل التخصص الذي اختاره إنسان اليوم عنوانًا لحضارته ولثقافته العلمية، وباستعمال كل المناهج والوسائل العلمية الحديثة التي توفرت في عصرنا.
لسنا إذن ندّعي السبق العلمي ولا الأهلية اللازمة للقيام بمهمة الإفتاء والتفسير الأكثر تطورًا وإنما ندعو إلى ذلك من خلال جهد جماعي تسهم فيه خيرة علماء المسلمين من مختلف ميادين العلم وشعبه وفروعه بلا استثناء.
إن القرآن الكريم يخاطب الناس كافة من خلال مضمون علمي كامل ومحيط بكل شيء، ومن باب أولى أن نحاول اليوم إعادة تمثل آياته الكريمة من داخل إطار متكامل هو الآخر يضم كل من لهم صلة بالعلم والتاريخ واللغة وبتطوير الفهم وتطوير وسائل العقل وأدواته.. مع اقتناعنا بأن هذا الإطار لن يكون ـ بأي شكل من الأشكال ـ في مثل كلية وكمال وإحاطة الكلم الإلهي ولكنه سيكون بكل تأكيد أقدر وأكثر تسلحًا لفهمه فهمًا يكون ـ على الأقل ـ ملائمًا لهذا العصر وإمكانياته وأساليبه في البحث والفهم.
إن أجيال المفسرين الأوائل من السلف الصالح قد منحوا آباءنا وأجدادنا ما به تطورت فهومهم وصلحت أحوالهم وتنامت مداركهم وأساليب عيشهم، وبالتالي فإن علينا نحن كذلك أن ننسج على منوال هذا السلف العظيم.
إننا من هذه الزاوية نثمن ما تركه السلف الصالح فينا من أرضية وأساس راسخين، منهما ينبغي أن يكون انطلاقنا، بكل تأكيد لقد اجتهد أسلافنا في استنباط مناهج الاستقراء والاستنباط والاستبطان فحققوا أفضل فهم ممكن مقارنة مع علومهم ومعارفهم وعلوم ومعارف عصورهم برمتها، فكانوا بذلك سباقين إلى ميادين وإلى نهايات لا نزال نراها مصدر فخرنا واعتزازنا بين الشعوب والأمم. وعلينا أن نكون أهلاً لهؤلاء الرواد فنعمل بنفس صدقهم وإصرارهم، وإيمانهم وهذا هو الأهم، ففهم كلام الله فهما متجددًا يناسب علومنا ومعارفنا لأن ذلك يجعلنا صادقين مع أنفسنا حين نقول ونؤكد ونلح في القول والتأكيد بأن كلام الله الوارد في كتابه الكريم، نبراس لكل الأمم والحضارات، ولكل الأزمنة والأمكنة وبأنه كوني أزلي دائم السبق إلى أن يرث الله الأرض وما عليها وإن قولنا هذا وهو قول حق لا محالة لأنه مستمد من مشكاة الإسلام كتابا وسنة وأخبارًا وآثارًا، يمنع علينا كل المنع أن نظل نقتات بعقولنا وأفهامنا على التراث فنحصر كتاب الله بذلك في دائرة فهم القدامى ونجعله - بالتالي - كتابًا محدودا في زمانه ومكانه وأهله والمخاطبين به (بالفتح) والمخاطبين به (بالكسر).
إن الدين والكتاب لا يحصرهما فهم ولا زمان ولا مكان، ولا يختص بهما شعب دون شعب ولا جيل دون آخر من الشعوب والأجيال. وإن كتاب الله يدعو في مواضع كثيرة إلى التدبر والتأمل والتفكر. وهذه العناصر القائمة على إعمال العقل وتفعيل التجارب والمعاينات والملاحظات والخلاصات.. تولد بالضرورة بل بالوجوب، فهومًا متجددة واكتشافات جديدة أكثر تطورًا من سابقتها وأقل تجددًا وتطورًا من لاحقاتها، وتقتضي بتحصيل الحاصل إعادة قراءة التفاسير والتوضيحات والحواشي السابقة بقصد معالجتها بالتصويب والتحيين كلما جد جديد في عالم المعرفة والتجربة والاكتشاف، لأن هذا الجديد يشكل هدفا من الأهداف التي أرادها الحق عز وجل أن تتحقق على أيدينا وعقولنا مع تقدم العصور والأزمنة وتطور أساليب البحث والفهم وأدواتها.
نعم إن الأمر بالتفكر والتدبر يقتضي عند الامتثال له بالعقل والتجربة المعملية والميدانية أن تتـــولد عنه خــلاصات جـــديدة تعيد تشكيل تصورنا لفحــوى الآيات ولعلاقتها الحقيقية بالظواهر والمعالم والعوالم المختلفة، وهذا وحده يجعل التصــورات السابقة عرضةً بالضرورة لتلك المراجعة ولذلك التصـــويب والتحيين.. دون أن يكون في هذا أدنى مساس أو تنقيص من علم أو عمل أو جهد السابقين، إذ تلك هي سنة الله التي لا تبديل لها: بأن يتبدل كل شيء ويخضع للتغيير والتطور ما عدا الحق عز وجل الذي كان أبدا، وسيبقى أبدًا منزها عن هذه الحوادث والعوارض، ومن قال بعدم إخضاع شيء من الأشياء للتغيير، ما عدا كلام الله وحقـــائق هذا الكلام وثوابته، فإنه كمن يقول بوجود فهم إنساني ثابت لا يتغير، وهذا ما لا يجوز قوله في غير كلام الله عز وجل كما سبقت الإشارة.
إن الأمر إذن بالتفكر والتدبر وبالسير في الأرض، وبالنظر في ملكوت السماوات والأرض، ما هو إلا أمر بتجديد الفهم وتطوير الصورة التي لدى الإنسان عن الكون والطبيعة وعن نفسه.
وإذا كانت آيات الله الكريمة قد اشتملت على الرؤية والفهم المتصفين بالكمال والتمام والإطلاق، فإن على الإنسان أن يسعى إلى إدراك بعض ذلك ويتقدم في دروبه بواسطة تطوير فهمه وتجديد رؤيته وبالتالي بتحيين تفاسيره وتمثلاته.

صورة ابن الفائق

مستقبل الثقافة الاسلامية على ارض الواقع(2)
لا يوجد شيء ثابت في هذا العالم، كل شيء يتغير بسرعة كبيرة، والثابت الوحيد هو التغير، ففي غمرة المتغيرات في عالم اليوم لا يمكننا تحديد الثقافات بحدود ضابطة وإثبات عالميتها وتكاملها، لتيقننا أن مؤسسات كالدولة أو الأسرة وكذلك الطبقات الاجتماعية والعرقية قائمة في صيرورة إعادة تشكلها وبناء علاقاتها الجديدة، فلم تعد هذه وحدات مناسبة لتحليل العلاقة بين الثقافة والمجتمع، إذ لم تعد الثقافة السائدة اليوم تحتاج إليها، لا كمنتج لها ولا كمعبر عنها، لأنها ثقافة مندفعة نحو تجاوزه الهويات الاجتماعية.
إنها الثقافة المعولمة وهي الثقافة المفتتة، والأكثر من ذلك أنها مجال واسع للتشغيل وقابلة للتفرع بلا نهاية، إضافة إلى ذلك كله لها إمكانية إغراء الفرد - وهو مسترخ في بيته - بأن يختار من (المينيو) العالمي للثقافة ما يشاء في كل المجالات، مع إيهامه بأن ما يختاره هو ثقافة له، يمكنه أن يتميز بها، كما في برامج المسابقات والأسئلة الغبية التي من يجيب عليها يكافأ بجائزة أمام الجمهور مع تصفيق حار وبث مباشر على الفضائيات.
هكذا يجد الإنسان نفسه ومع الحركات الاجتماعية، في حضرة ثقافة سائدة بلا مثقفين، مجردة تعميماً أو تفتيتاً، تحمل أفكاراً بلا فكر دلالاتها معلقة، بلا مرجعية، ولأنها كذلك فهي يمكن أن تنشر مفاهيم مجتمع بلا بشر، ومجتمع مدني بلا مدنية، وحقوق إنسان بلا إنسانية.
هذه الثقافة التي فقدت أصولها الاجتماعية هي ثقافة العابر، هي أساساً ثقافة المتخيل، ثقافة غير الواقع الذي لم يعد فيه ربط ممكن بين الذات والموضوع.
هي ثقافة (الناس جميعاً) أي ثقافة لا أحد.
ولكن ثمة أمل في العقل الإنساني والذي يجب عليه حسم الأمور والبحث عن بديل أنسب لمركزية الثقافات ورد الاعتبار للعقل الإنساني وقدرته في الخروج من الأزمات.
والإنصاف يحملنا على الاعتراف بأن للإسلام وسطية مشهودة عل مرّ التاريخ والواقع دليل على ذلك حيث هو نظام قائم على العدل والمساواة في جميع أحكامه والثقافة الإسلامية لها مؤهلاتها العالمية للمركزية والمحورية التي تستطيع ضبط العقل والنفس والغرائز والشهوات وتحريض مواهب الإبداع في الإنسان.
والشاهد على ذلك في أرض الواقع الشعب العراقي وما جرى من الأحداث المتوالية على الشعب الصامد بل والمؤلمة في معظم الأحيان منذ ما قبل عهد صدام حسين وفي فترة صدام وما فعله بهذا الشعب من حرمانهم حتى من التعليم والتثقف وبعد ذلك الاجتياح الأمريكي البريطاني والذي كان توقعات العالم أن يحصل حروب أهلية وطائفية في العراق حيث كثرة الأحزاب والطوائف والأعراق ولكن الجذور الإسلامية والوعي الديني لذلك الشعب وقف حائلاً دون الفوضى والاضطرابات، بل وقف الشعب بجميع طوائفهم مع علمائهم وقفة عز وشموخ ونقاوة وكبرياء، ولم يلجأو للعنف مع كثرة المحرضات والأيادي الأجنبية والدسائس الاستعمارية لخلق حالة الخوف والاستهتار.
فهذه البقية من الثقافة الإسلامية لهذا الشعب العظيم قد أفادتهم في حفظ بلادهم من الطامعين وتماسك اللحمة الوطنية والأخوة الإنسانية فيما بينهم فعلى العلماء في العراق وخارجها وعلى المثقفين أن يعمقوا في دراسة هذه الثقافة وأن يواظبوا على نشرها وتنويعها واستخدام الأساليب الحديثة في سبيل عراق جديد، رائد في الثقافات وتنوعها مع احترام جميع الأطراف، ومن أهم خصائص الفكر الإسلامي: الجمع بين الثبات والتطوير.
والجمع بين المصلحتين الخاصة والعامة وكذلك الجمع بين المصالح المادية والحاجات الروحية فهذا المزيج كفيل بتغطية جميع حاجات الإنسان وحل كل مشاكله.

صورة جورية كويتية

يعطيك العافية يا خوي عالطرح القيم والرائع
وربي معلومات جميلة وشيقة وطرح راااااااااااااااائع

مجهود رائع تُشكر عليه وجزاك الله كل الخير
وفيت وكفيت بالشرح لا خلا ولا عدم
تسلم الأيادي لا هنت وبارك الله فيك
بانتظار جديدك بكل شوق
دمتَ بحفظ الرحمن
مودتي وتحيتي

صورة ابن الفائق

آداب الصحبة

اهتم الاسلام بالصحبة اهتماما بالغا، لما لها من شأن كبير، وأمر خطير، فأمر بإلتزام الصادقين، قال سبحانه:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} التوبة 116. زحض على صحبة العابدين قال تعالى:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} الكهف 28. ورغب باتباع طريق المنيبين، قال سبحانه:{ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} لقمان 15، ونهى عن صحبة الظالمين، فرب صحبة ساعة كشفت صاحبها الى قيام الساعة، وأعقبته ندما لا ينتهي، قال تعالى:{ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27) يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً (28)} الفرقان، وجعل كل صحبة لا تجتمع أواصرها على تقوى الله تعالى فمصيرها الى عداوة محققة، قال سبحانه:{ الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)} الزخرف.

ولا عجب فالصاحب ما هو إلا معلم لصاحبه من حيث لا يشعر، تنطبع صفاته في نقس صاحبه، وتنتقل أخلاقه الى أخلاقه، وتسري معاملاته الى معاملاته، بتأثير القرب، وعن طريق الحب، فلا يلبث إلا وهو نسخة عن صاحبه تتردد على لسانه كلماته، وتظهر في أعماله تصرفاته من حيث لا يدري، ولذلك فقد حذر الله تعالى من صحبة من قال فيهم{فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29)} النجم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم:{ المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل} رواه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة.

وقال عليّ رضي الله عنه:

وصاحب تقيا عالما تنتفع به ***** فصحبة أهل الخير ترجى وتطلب
وإياك والفساد لا تصحبنّهم ***** فصحبتهم تعدي وذاك مجرب
واحذر مؤاخاة الدنيء فإنه **** يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب
واختر صديقك واصطفيه تفاخرا ***** إن القرين الى المقارن ينسب

وإذا كان المرء ينتقي من أطيب الطعام والشراب لبطنه، ويحرص على صحة جسمه فيتقي ما يسبب مرضها وضعفها، فأولى به أن ينتقي لروحه وقلبه وأخلاقه من يغذيها بأحسن الصفات، وأجمل الآداب، وأكمل العادات، وأكرم الأخلاق، ويتقي مرضى النفوس، ويتجنب ضعيفي الإيمان خوفا على دينه، وضنا على أخلاقه، أن يصيبها ما أصابهم، قال صلى الله عليه وسلم:{ لا تصاحب إلا مؤمنا،ولا يأكل طعامك إلا تقي}. رواه أبو داود والترمذي وأحمد عن أبي سعيد. وقال سيدنا عمر رضي الله عنه" عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء".

ولئن كان أشرف لقب في الإسلام هو لقب ( الصحابي)، وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به، وتشرف بصحبته، فإن الصحابة يتفاوتون فيما بينهم في الفضل بمقدار صدق صحبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وعمق محبتهم له، وشدة إخلاصهم في خدمته، وقد حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وعمق محبتهم له، وشدة إخلاصهم في خدمته، وقد حصل على النصيب الأوفى من هذه الأفضلية من قال الله تعالى في حقه:{إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} وكان سيدنا أبو بكر رضي الله عنه بفضل هذه الصحبة المشرفة، الخليفة الأول لسيد النبيين صلى الله عليه وسلم.

ولقد ضرب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا المثل في أهمية الصحبة وما لها من تأثير عظيم على مصير صاحبها فقال:{ إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة} متفق عليه عن أبي موسى.

وقال سيدنا عمر رضي الله عنه:{ اعتزل عدوك، واحذر صديقك إلا الأمين من القوم، ولا أمين إلا من خشي الله، فلا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخافون الله تعالى}.

ويؤكد لنا الواقع العملي المنظور أنه من صحب الأبرار الصالحين صار منهم، ومن التزم الذاكرين ثوى في قلبه ذكرهم، ومن لصق بالعلماء إنتقل إليه نور العلم والإيمان، وامتد هذا النفخ الى يوم القيامة، روي أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم{ متى الساعة؟ قال: ما أعددت لها؟ قال: حبّ الله ورسوله. قال: أنت مع من أحببت}. متفق عليه عن أنس.

كما أنه لم يصبح سارقا إلا من صاحب السارقين، ولم يشرب التبغ أو يحتس الخمر إلا من سهر مع المدمنين، ولم يتقلب شقيا إلا من صادق الأشقياء المجرمين قال الشاعر:

عدوى الشقي الى السعيد سريعة ***** والجمر يوضع في الرماد فيخمد

ولا يمكن للمؤمن أن يأنس بأهل الغفلة والبطالة والعصيان، أو يميل قلبه إلى مخالطتهم، أو يتخذهم أصحابا وخلانا يجتمعون على مائدة واحدة، وفي مجلس سمر واحد، ولو كانوا أقرب الأقرباء إليه.

قال تعالى:{ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ} المجادلة 22.

وقال صلى الله عليه وسلم:{ الأرواح جنود مجنّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف} متفق عليه عن عائشة وأبي هريرة.

وقال علي رضي الله عنه:

فلا تصحب أخا الجهـ ***** ـل وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى ***** حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء***** إذا ما المرء ما شاه
وللشيء من الشيء ***** مقاييس وأشباه
وللقلب على القلـ ***** ـب دليل حين يلقاه

وإذا كان للصحبة هذا الاهتمام، فإن لكل من المتصاحبين آداب وواجبات، كل تجاه صاحبه، وهي أشد اهتماما، لتدوم عرى هذه الصحبة، وتؤتي ثمارها من رضوان الله في الدارين..

ومنها نذكر ما يلي:

1»»> انتقاء الصاحب واختياره قبل مصاحبته، ممن توافر فيه الشروط التالية:

أ‌»»> العقل الحصيف.
ب‌»»> الدين الصحيح.
ت‌»»> الأخلاق الحميدة.

قال لقمان الحكيم لإبنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن القلوب لتحيا بالحكمة، كما تحيا الأرض الميتة بوابل القطر.

2»»> تجنب صحبة الجهلة والفسقة، والأراذل والحمقى، فالصاحب ساحب، ومن جالس جانس.

قال جعفر الصادق رضي الله عنه: لا تصحب خمسة:
الكذاب: فإنك منه على غرور، وهو مثل السراب يقرب منك البعيد، ويبعد منك القريب.
والأحمق: فإنك لست منه على شيء، يريد أن ينفعك فيضربك.
والبخيل: فإنه يقطع بك أحوج ما تكون إليه.
والجبان: فإنه يسلمك ويفر عند الشدة.
والفاسق: فإنه يبيعك بأكلة أو أقل منها، قيل: وما أقل منها؟ قال: الطمع فيها ثم لا ينالها.
وقد رود: لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله.

3»»> الإخلاص في صحبة من تصاحب لوجه الله تعالى، دون النظر الى غاية دنيوية، أو مصلحة عاجلة، والصحبة لوجه الله تعالى هي أن تصاحبه لعلمه أو حسن خلقه أو صلاحه أو قربه من الله ومحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى:{ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} الكهف 28.

وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله قال:{ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعوده في الكفر بعد أن أنقذه الله منها كما يكره أن يقذف في النار}. متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي} رواه مسلم.

4»»> اخبار صاحبه بمحبته له في الله، ليكون تواصلهما أكبر وارتباطهما أشد وإخلاصهما أعمق..

قال تعالى:{ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} { الحشر: 9}.

وعن المقداد بن معديكرب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ إذا أحب الرجل أخله فليخبره أنه يحبه} رواه أبو داود والترمذي.

وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر رجل فقال يا رسول الله:{ إني لأحب هذا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أعلمته؟ قال: لا، قال: أعلمه. فلحقه فقال: إني أحبك في الله، فقال: أحبك في الله الذي أحببتني له} رواه أبو داود.

5»»> التعارف قبل الصحبة، والسؤال عن اسم صاحبه وعمله ومسكنه، وما يتبع ذلك من أصول التعارف.

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ إذا آخيت أخا فسله عن اسمه، واسم أبيه، فإن كان غائبا حفظته، وإن كان مريضا عدته، وإن مات شهدته} البيهقي .

وعن يزيد بن نعامة الضبي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ إذاآخى الرجل فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو، فإنه أوصل للمودة} رواه الترمذي.

6»»> اعتبار صاحبه كنفسه في محبة إيصال الخير له، والحرص على ما ينفعه، وبذل الغالي والنفيس من أجله. قال أبو سليمان الداراني: لو أن الدنيا كلها لي فجعلتها في فم أخ من إخواني لاستقللتها له.

عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه} متفق عليه.

7»»> الإكثار من التواصل والتناصح والتباذل والتزاور في سبيل الله.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { أن رجلا زار أخا له في قرية فأرصد على مدرجته ملكا، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تريها عليه؟ ـ أي تقوم بها وتسعى فلا صلاحها ـ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى، قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه} رواه مسلم.

وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال:{ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى في الحديث القدسي ( حقت محبتي للمتحابين فيّ، وحقت محبتي للمتواصلين فيّ، وحقت محبتي للمتناصحين فيّ، وحقت محبتي للمتزاورين فيّ،وحقت محبتي للمتباذلين في، المتحابون فيّ على منابر من نور، يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء)} رواه الترمذي.

وعنه قال: {قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد بأن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا}. رواه الترمذي.

8»»> الإسراع في المعونة بالنفس والمال، لتفريج الهم، وتنفيس الكرب، ولو كان في ذلك إيثار على النفس.

قال تعالى:{ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} الحشر 9.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه} رواه مسلم.

9»»> الاعتدال في المحبة، والاقتصاد في المديح، والإنصاف في المعاملة، والتوسط في المعاشرة، والإلتزام بالشرع في المخالطة.

قال سيدنا عمر رضي الله عنه: لا يكن حبك كلفا، ولا تبغضك تلفا.
والكلف شدة التعلق بالشيء، والتلف: الإهمال.

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:{ أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما} رواه الترمذي.

10»»> تبادل الهدايا والأعطيات* في المواسم والمناسبات، والإبتداء في ذلك على قدر الإمكان. فإن الهدية تزيد في المحبة، وتزيل ما في الصدر من عداوة وبغضاء.

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ تهادوا تحابوا} رواه أبو يعلى.

11»»> الابتداء بالسلام والمصافحة كلما تجدد اللقاء، مع بشاشة الوجه، وطيب الكلام.

عن البراء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا} رواه أبو داود.

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ لا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق}. رواه مسلم.

11»»> تجنب السخرية والغيبة والحسد والبغضاء والظن السوء، والتماس الأعذار له في كل أمر لم يجر حسب مراده.

قال تعالى:{ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكنّ خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان، ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون. يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} الحجرات 11 – 12.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا، التقوى ها هنا ـ وأشار الى صدره ـ بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام: دمه وعرضه وماله} رواه مسلم.

13»»> تجنب إفشاء سر ائتمنه عليه صاحبه مهما كانت الأسباب، قال أحد العلماء: لا تصحب من الناس من لا يكتم سرك، ويستر عيبك، ويكون معك في النوائب، ويؤثرك في بالرغائاب، وينشر حسنتك، ويطوي سيئتك، فإن لم تجده فلا تصحب إلا نفسك.

14»»> أداء حقوق الصحبة، وهي كثيرة يضيق المجال لذكرها مع شواهدها، ونكتفي بعرض بعضها كما جمعها كثير من السلف الصالح:

قال سيدنا عمر رضي الله عنه ثلاث يصفين لك ود أخيك: أن تسلم عليه إذا لقيته، وأن توسع له في المجلس وأن تدعوه بأحب الأسماء إليه.

وقال: ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك شرا وأنت تجد لها في الخير محملا، ولما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق وأكثر في إكتسابهم فإنهم زين في الرخاء، وعدة عند عظم البلاء.

وقال أحد العلماء: آداب الأخ مع أخيه بل يظن به ظنا سيئا، ولا يظلمه ولا يستغيبه، ويرد غيبته، ويدعو له، ويطلب الدعاء منه، ويصبر في صحبته، ويوالي وليه، ويعادي عدوه، ويتفقده إذا غاب، ويعوده إذا مرض، ويزوره إذا دعاه، ويسير في حاجته، ويفرج كربته، ويدخل السرور عليه، ويستر عورته، ويسلم عليه، ويبتسم في وجهه ويوسع له في مجلسه، وينصحه في سره، ويساعده في ماله، ويكتم سره، ولا يبلغه ما يسؤوه من تانتس، ويبلغه ثناء الناس عليه، ويشكره على معروفه، ويكون صادقا في وده سرا وعلانية، ويذكره بعد موته، ويكون وفيا مع أهله وأقاربه.

وقال آخر: حق أخيك عليك أن تغفر زلته، وترحم عبرته، وتقبل معذرته، وتحفظ خلته، وترعى ذمته، وتشهد ميتته، وتجيب دعوته، وتقبل هديته، وتكافئ صلته، وتشكر نعمته، وتحفظ حرمته، وتقبل شفاعته، ولا تخيب مقصده، وتشمت عطسته، وتنشد ضالته وتطيب كلامه، ولا تقاطعه في حديثه، وأن تبر أنعامه، وتصدق أقسامه، وأن تواليه ولا تعاديه، ولا تخذله ولا تشمته، وأن تحب له من الخير ما تحب لنفسك، وتكره له من الشر ما تكره لنفسك.

وقال آخر: من حقوق أخيك: الإيثار بالمال، والإعانة بالنفس، وكتمان السر، وستر العيوب، والشكر على المعروف، والإعانة على الإحسان، والنصح عند الإساءة، والحفظ بظهر الغيب إذا غاب عنك، والمحبة الخالصة لله تعالى، وعدم إيذائه بقول أو فعل، وأن يتواضع له، ولا يتكبر عليه، ويعفو عنه، وقد أوحى الله الى يوسف: بعفوك عن إخوتك رفعت ذكرك في الدارين.

قال تعالى:{ إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}. الحجرات 10.

وقال سبحانه:{ واخفظ جناحك للمؤمنين} .
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:{ المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا، وشبك بين أصابعه} متفق عليه.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، وإتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس} متفق عليه.

وعن أبي أيوب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:{ لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال: يلتقيان، فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام}.

صورة حنان

تسلم اخي ابن الفائق .. منتظرين منك كل جديد

يلا ادخولو على المنتدى ده noorel2mar.yoo7.com

صورة الوعدالقادم

مشكور ويعطيك الف عافية

قبلت بالمشاركة

صورة ابن الفائق

[read]العبادة حاجة إنسانية ثابتة [/read]



العبادات لها دور كبير في الإسلام، وأحكامها تمثل جزءاً مهماً من الأحكام الشرعية، والسلوك العبادي يشكل ظاهرة ملحوظة في الحياة اليومية للإنسان المتدين.
ونظام العبادات في الشريعة الإسلامية يمثل أحد أوجهها الثابتة التي لا تتأثر بطريقة الحياة العامة وظروف التطور المدني في حياة الإنسان إلاّ بقدر يسير، خلافاً لجوانب تشريعية اُخرى مرنة ومتحركة يتأثر اُسلوب تحقيقها وتطبيقها بظروف التطور المدني في حياة الإنسان كنظام المعاملات والعقود.
ففي المجال العبادي يصلي إنسان عصر الكهرباء والفضاء، ويصوم ويحج، كما كان يصلي ويصوم ويحج سلفه في عصر الطاحونة اليدوية.
صحيح أنه في الجانب المدني من التحضير للعبادة يختلف هذا عن ذاك، فهذا يسافر إلى الحج بالطائرة وذاك كان يسافر ضمن قافلة من الإبل، وهذا يستر جسده في الصلاة بملابس مصنعة أنتجتها الآلة وذاك يستر جسمه بملابس نسجها بيده، ولكن صيغة العبادة العامة وطريقة تشريعها واحدة، وضرورة ممارستها ثابتة لم تتأثر ولم تتزعزع قيمتها التشريعية بالنمو المستمر لسيطرة الإنسان على الطبيعة ووسائل عيشه فيها.
وهذا يعني ان الشريعة لم تعط الصلاة والصيام والحج والزكاة وغير ذلك من عبادات الإسلام كوصفة موقوتة، وصيغة تشريعية محدودة بالظروف التي عاشتها في مستهل تاريخها، بل فرضت تلك العبادات على الإنسان وهو يزاول عملية تحريك الآلة بقوى الذرة; كما فرضتها على الإنسان الذي كان يحرث الأرض بمحراثه اليدوي.
ونستنتج من ذلك ان نظام العبادات يعالج حاجة ثابتة في حياة الإنسان خلقت معه وظلت ثابتة في كيانه على الرغم من التطور المستمر في حياته. لأن العلاج بصيغة ثابتة يفترض ان الحاجة ثابتة، ومن هنا يبرز السؤال التالي
هل هناك حقاً حاجة ثابتة في حياة الإنسان منذ بدأت الشريعة دورها التربوي للإنسان، وظلت حاجة إنسانية حية باستمرار إلى يومنا هذا، لكي نفسر على أساس ثباتها ثبات الصيغ التي عالجت الشريعة بموجبها تلك الحاجة وأشبعتها، وبالتالي نفسر استمرار العبادة في دورها الإيجابي في حياة الإنسان ؟
وقد يبدو بالنظرة الاولى أن افتراض حاجة ثابتة من هذا القبيل ليس مقبولاً، ولا ينطبق على واقع حياة الإنسان حين نقارن إنسان اليوم وإنسان الأمس البعيد، لأننا نجد ان الإنسان يبتعد ـ باستمرار ـ بطريقة حياته ومشاكلها وعوامل تطورها عن ظروف مجتمع القبيلة الذي ظهرت فيه الشريعة الخاتمة، ومشاكله الوثنية، وهمومه وتطلعاته المحدودة. وهذا الابتعاد المستمر يفرض تحولاً أساسياً في كل حاجاته وهمومه ومتطلباته، وبالتالي في طريقة علاج الحاجات وتنظيمها، فكيف بإمكان العبادات بنظامها التشريعي الخاص ان تؤدي دوراً حقيقياً على هذه الساحة الممتدة زمنياً من حياة الإنسانية، على الرغم من التطور الكبير في الوسائل وأساليب الحياة ولئن كانت عبادات كالصلاة والوضوء والغسل والصيام مفيدة في مرحلة ما من حياة الإنسان البدوي، لأنها تساهم في تهذيب خُلُقه والتزامه العملي بتنظيف بدنه وصيانته من الإفراط في الطعام والشراب، فان هذه الأهداف تحققها للإنسان الحديث اليوم طبيعة حياته المدنية، واُسلوب معيشته اجتماعياً. فلم تعد تلك العبادات حاجة ضرورية كما كانت في يوم من الأيام، ولم يبق لها دور في بناء حضارة الإنسان أو حل مشاكله الحضارية.
ولكن هذه النظرة على خطأ، فان التطور الاجتماعي في الوسائل والأدوات، وتحول المحراث في يد الإنسان إلى آلة يحركها البخار أو يديرها الكهرباء، انما يفرض التغيير في علاقة الإنسان بالطبيعة وما تتخذه من أشكال مادية، فكل ما يمثل علاقة بين الإنسان والطبيعة، كالزراعة التي تمثل علاقة بين الأرض والمزارع، تتطور شكلاً ومضموناً من الناحية المادية تبعاً لذلك.
وأما العبادات فهي ليست علاقة بين الإنسان والطبيعة، لتتأثر بعوامل هذا التطور، وانما هي علاقة بين الإنسان وربه، ولهذه العلاقة دور روحي في توجيه علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وفي كلا هذين الجانبين نجد ان الإنسانية على مسار التاريخ تعيش عدداً من الحاجات الثابتة التي يواجهها إنسان عصر الزيت وإنسان عصر الكهرباء على السواء. ونظام العبادات في الإسلام علاج ثابت لحاجات ثابتة من هذا النوع، ولمشاكل ليست ذات طبيعة مرحلية، بل تواجه الإنسان في بنائه الفردي والاجتماعي والحضاري باستمرار، ولا يزال هذا العلاج الذي تعبر عنه العبادات حيّاً في أهدافه حتى اليوم، وشرطاً أساسياً في تغلب الإنسان على مشاكله ونجاحه في ممارساته الحضارية.

صورة ابن الفائق

البرهنة على وجود الله




ثلاثة براهين عامة:
أ) جعلوا من البرهنة على وجود الله معضلة كبرى، وهي في الحقيقة من أيسر البرهنات،
خلافاً لما ظن بسكال وأضرابه، بل لعلها أيسرها، لدورانها على معان غاية في البساطة، كمعني
الفعل والقوة، وعلى مبادئ غاية في البيان، كتقدم الفعل على القوة. فما إن نتأمل معنى الفعل
حتى ندرك تقدمه على القوة. وما إن ننظر في شواهد القوة حتى ندرك بساطتها وبيانها
وخضوعها لهذا المبدأ خضوعاً مطلقاً لا يحتمل أدنى تردد، بل يقودنا رأساً إلى اليقين الناصع.
هذه الشواهد هي: التركيب، والتغير، والحدوث، والتناهي، أربعة وجوه: يتبين منها نقص
العالم، واحتياجه إلى موجود كامل يفسره. وهذا هو الأصل في اشتغال العقل بالفحص عن
وجود الله وماهيته.

ب) فالمركب تابع لأجزائه لاحق عليها، وليس التابع اللاحق مفسراً بنفسه، بل بأجزائه، وبالعلة
المركبة. والمتغير لا يتغير بذاته من الوجه الذي هو فيه بالقوة، فليس للساكن أن يتحرك إلا
بمحرك حاصل على قدرة التحريك بنفسه، أو متحرك بآخر، حتى نصل إلى محرك بنفسه.
والحادث، أي الموجود بعد لا وجود، لا يوجد ذاته، وإلا كان سابقاً على ذاته، وهذا بيِّن البطلان
في كل ما لا يوجد بنفسه. والموجود المتناهي المحدود محصور في ماهية معينة، وفي مكان
وزمان معينين، وينقصه ما خلا ذلك من ماهيات وأمكنة وأزمنة، فلا يكون مبدأ أولاً مفسراً
بنفسه. وغير صحيح أن فكرة اللامتناهي الكامل سابقة في عقلنا على فكرة المتناهي
الناقص. ولأجل أن نعلم أن موجوداً ما هو ناقص، فلا حاجة إلى مقارنته بالكامل، بل تكفي
مقارنته بموجود أقل نقصاً منه.

ج) هذا إجمال للبراهين على وجود الله، قد يقنع به المتأمل في معانيها ومبادئها برؤية بريئة
من تقليد المنكرين وإغرابهم. ولكن المنكرين قد أسرفوا حقاً في الاعتراض والتخريج
والإغراب، فلابدّ من استئناف النظر في تلك البراهين لزيادة جلائها، ودفع الشبهات عنها،
ودحض الاعتراضات عليها، كي تخرج جلية ناصعة شارحة للصدور. ولم نشأ أن نجمع كل
ما أسمي برهاناً أو دليلاً، فإن منها الضعيف الحقيق بالإبطال، وأخصر من الإبطال الإغفال،
والنتيجة واحدة. بل اقتصرنا على ثلاثة براهين عامة، أي شاملة للموجود بما هو موجود
أعني لجميع الموجودات، وخمسة خاصة منطبقة على طايفة معينة أو ناحية من الوجود.


ـ برهان من الحركة إلى محرك ثابت:
أ) كل موجود طبيعي فهو متحرك، إما بالنقلة من مكان إلى آخر، أو من حال إلى غيرها، أو
من مقدار إلى أكثر منه، وبالعكس. فالحركة ظاهرة عامة في الطبيعة. ومبدأ البرهان أن
ليس يمكن أن يكون شيء بعينه محركاً لنفسه، وإلا لزم وجوده قبل نفسه، وهذا محال، حتى
الكائن الحي الذي نقول إنه متحرك من ذاته. فإنه منتظم من قوى، ومن أعضاء يحرك أحدها
الآخر. فكل متحرك هو في الحقيقة متحرك من غيره. وسنبين الآن أنه لا يجوز التداعي
إلى غير نهاية في سلسلة العلل المحركة، وأن لابدّ من الانتهاء إلى محرك أول غير متحرك.
وليس المقصود فقط الحركة المادية الآلية، بل كل تغير أو خروج من القوة إلى الفعل، كخروج
الإرادة التي هي قوة روحية، فنصل إلى محرك كلي يحرك كل موجود، مباشرة لا بالواسطة فإن
العلة الأولى تفعل في كل فاعل لأنها علة كل وجود، والفعل وجود، لكن بحيث يكون لكل موجود
أيضاً فعل خاص، على ما سنوضحه بعد.

ب) وليس المقصود الرجوع إلى لحظة أولى بدأت فيها علية الله، كما يتوهم كثيرون، بل
الصعود في الآن الحاضر وفي كل آن إلى علة أولى، بغض النظر عن قدم العالم وحدوثه.
وهذا يعني أن البرهان يعتمد بالذات على علل مقتضاه بالذات للمعلول ومرتبة فيما بينها، فهي
متناهية العدد حتماً وإلا لم يوجد هذا المعلول. والفارق بين هذا الترتيب أو التسلسل بالذات
وبين التسلسل الزماني أو بالعرض أنه ليس يستحيل أن يتولد إنسان من إنسان إلى غير نهاية إذا
افترضنا قدم العالم، وهذا تسلسل بالعرض، بينما يمتنع التسلسل أو كان توليد إنسان متوقفاً على
إنسان، وعلى العناصر الطبيعية، وعلى الشمس. وهكذا إلى ما لا يتناهى.
ج) وامتناع التسلسل في العلل يعني عدم الوصول أبداً إلى علة أولى، أو عدم وصول العلية

إلى المعلول، فيظل المعلول الذي نطلب علته معلقاً بلا علة، ويبطل مبدأ العلية، وهو بديهي لا
يمكن إبطاله. وليس معناه أن لكل موجود علة، كما ظن كنط، بل إن لكل معلول علة، أي لكل
ما يظهر للوجود ويدل بهذا الظهور على افتقاره، وإلا لأدى مبدأ العلية إلى إنكار العلية، كما تقدم،
وهذا خلف. وتتضح ضرورة الوقوف عند علة أولى إذا عكسنا السير وحاولنا التأدي من
العلة إلى المعلول، فإننا نرى حينئذ استحالة هذه المحاولة أيضاً، من حيث إننا افترضنا مسافة
غير متناهية بين الحدين، والمعلول مع ذلك ماثل أمامنا. فهل هناك برهان أبين من هذا؟

ـ برهان من النظام إلى منظم:

أ) يمضي هذا البرهان من النظام البادي في الأشياء وفي علاقاتها بعضها والبعض، حتى
العاطلة عن المعرفة، فإنها جميعاً توجد في هيئة مخصوصة متناسقة، وتفعل دائماً أو في الأكثر
على سياق مطرد، إذا لم يعقها عائق، كما يبين من تجربتنا اليومية ومن القوانين العلمية، فتصون
وجودها وتصون النظام في العالم، مما يقطع بأنها لا تبلغ إلى غاياتها مصادفة، بل قصداً،
والمصادفة لا تجري على نظام، ولا ترمي إلى نظام. وإذا فرضنا المستحيل وسلمنا جدلاً أنها
قد تؤدي إلى النظام مرة، فليس يعقل أن تكون هي سبب تحقيق النظام في جميع الكائنات، وسبب
استمراره واطرادهن ومبدأ البرهان أن الكائن الخالي عن المعرفة، لا يتجه إلى غاية ما لم يوجه
إليها من عارف، وأن المتباينات لا تتسق بعضها مع بعض ما لم يطبعها طابع على الاتساق.
والنتيجة أن لابدّ من موجود عارف صنع الكائنات، ورتب لكل منها هذين النوعين من النظام،
واحد له في ذاته، وآخر له مع غيره.

ب) ومما تجب ملاحظته أن هذا البراهن، في حد ذاته، لا يقتضي إثبات نظام شامل في العالم
أجمع، بل حتى لو أربت جملة الاضطراب على جملة النظام، وهذا محال، يبقى من المتعين
الفحص على علة النظام حيثما وجد. والعلامة المميزة للمصادفة، والمفرقة بينها وبين الغائية،
هي عدم الاطراد وعدم النظام، بينما النظام السائد في العالم ثابت كل الثبات، مطرد بلا تخلف
على تعقده، تحكمه قوانين نتوقع معلولاتها توقعاً يقينياً: فكيف يدعي أن مثل هذا النظام المطرد
ناتج مصادفة، أي من عدم النظام وعدم الاطراد؟ ومع ذلك فهذا ما يدعيه منكرو الغائية. وهم
يؤيدون دعواهم بقولهم: إن جميع الذرات المركبة للأشياء قد تحققت تركيباتها مرة أو أخرى
ضرورة في غضون أزمنة متطاولة. ونحن نرد بأن من الممكن جداً بل من الراجح جداً أن
تكون أبسط المركبات هي التي تحققت، وهي التي تعود إلى ما لا نهاية لقلة ذراتها وسهولة
اجتماعها، ولا تكون عادت المركبات المعقدة. ونسألهم، ماذا تفيد المركبات المعقدة لو عادت
ملايين المرات؟ كيف نسلم بأن الحياة والفكر ينتجان عن اجتماع ذرات مادية، أي عن قوى
عمياء؟ إحدى إثنتين: إما أن موجوداً عاقلاً صنع العالم المادي، أو أن العالم المادي صنع
العقل والعاقل، ولا وسط بين الطرفين، ولا ريب أن الطرف الأول أكثر رجحاناً وأيسر قبولاً.

ج) وعلى ما لهذا البرهان من قوة وحظوة في كل عصر، فقد عارضه كثيرون. أهم
اعتراض أن العالم متناه، فلا يقتضي سوى منظم متناه، وأن الانتقال من المنظم المتناهي إلى
منظم غير متناه، غلط منطفي هو أشبه شيء بغلط دليل القديس أنسلم حيث ينتقل من الموجود
الكامل المتصور في الذهن إلى موجود كامل في الحقيقة. والجواب أن هذا القول كان يصح
لو أن نظام العالم ترتيب أشياء جاهزة واستخدام علاقات خارجية على ما يصنع صانع الساعة،
أو أي آلة من آلاتنا: حينئذ كان يمكن أن يقال إن هذا البرهان يؤدي إلى مهندس متناهي الذات
ليس غير، ولكن نظام العالم ناتج من تجهيز الأشياء أنفسها بإيجادها على نحو معين متجمد
الأجزاء ثابتة التركيب باقية الخصائص، فهو صنع صانع الأشياء، مادة وصورة. ثم إن هذا
الصانع: إما أن يكون وجوده بذاته، فلا يعود للاعتراض وجه، إذ يكون هو الإله اللامتناهي
الذي نفحص عن وجوده، وإما ألا يكون بذاته، فيصبح هو موضوع سؤال ومطلوب برهان، حتى
نصل إلى العلة الأولى اللامتناهية. وأخيراً فلا جدوى من هذا الاعتراض لأننا نصل على كل
حال إلى علة أرفع منا، وإذا سلمنا بها، أي بمهندس للكون، فما الذي يمنع من التسليم بإله خالق
غير متناه؟

د) وقد وجه هنري برجسون إلى هذا البرهان هجوماً لم يخطر لأحد من قبل، قال: إن
النظام على نوعين، أحدهما آلي، والآخر إرادي، والنظام ضروري دائماً على إحدى هاتين
الصورتين، وما يسمى عدم نظام تعبير منّا عن حالة لم نكن نتوقعها أو لا نريدها، كما إذا قلنا عن
غرفة إنها غير منظمة، فمعنى هذا أننا كنا نتوقع أن نرى فيها نظاماً إرادياً، وإذا بنا أمام نظام
آلي. ومن هنا نرى أن فكرة عدم النظام فكرة زائفة، وأن من العبث التساؤل عن سبب النظام
فهذه مسألة يجب محوها.

هـ ) وجوابنا أن التسليم بهذين النظامين لا يمنع من تصور عدمهما جميعاً، فمن الضروري
التساؤل عن سبب النظام متى وجد، لأن كل نظام فهو معلول، وليست الآلية مصدر نظام، وعلى
ذلك فليس يوجد نظام آلي إلا بافتراض منظم للعلل الفاعلية، فيرجع النظام الآلي إلى الإرادي.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن انتظام الموجودات كل في ذاته وكلها فيما بينها، يوجدان في
الوقت نفسه، فإن النظام العام يعني أن الموجودات مختارة لهذا الغرض من بين الممكنات.
وأخيراً أن النظام نسبة الوسائل إلى الغاية، والنسبة أثر من آثار العقل، وعدم النظام أثر عدم
العقل، والعلل الفاعلية لا تشرع في العمل إلا إذا كانت موجهة إلى غاية، لذا كانت الغاية علة
العلل. فمتى وجد النظام وجدت له علة، وهي علة عاقلة أو مرتبة من عاقل.

و) ومن الطبيعي أن يخطر اعتراض آخر، فيقال: كيف يمكن أن تؤثر الغاية غير الموجودة
بعد، وأن يؤثر المستقبل في الحاضر، ما ليس موجوداً فيما هو موجود؟ وجوابه أن الغاية علة
حقة بما هي متصورة ومرادة، فيسبق لها وجود في فكر الفاعل، وأما بما هي مرتسمة في طبيعة
الفاعل، دافعة به إلى العمل، كما نشاده في تطور الجنين، إذ تنبت أعضاء مخصصة في تتال
مخصص، دون أن يكون لها شأن بحاضره، وإنما هي تهيئة لمستقبله. وجميع الطبائع الجمادية
والنباتية والحيوانية فاعلة على هذا النسق، موجهة إلى بقاء الموجود وخيره بكليته. وليس
يمكن أن ينتج مثل هذا الانسجام آلي، ولكن ينتج من سبق تدبير طبيعي. وقد نخطئ إذا ظننا أن
غاية الخراف توفير حاجتنا من الصوف، وغاية البنجر توفير حاجتنا من السكر، والغاية من
صياح الديك منعنا من الاسترسال في النوم، وأن الشمام رسمت فيه الطبيعة قطعاً كي يؤكل في
الأسرة، هذه غايات ظاهرة تجيز لخصوم الغائية أن يتندروا بها وبأمثالها. ولكنا لا نخطئ إذا
توخينا الغايات الباطنية، واعتقدنا أن الغاية من صوف الخراف إمدادها بالحرارة اللازمة لحياتها،
وأن الطبيعة وفرت وسائل أخرى للمحرومين من الصوف.

ز) وعلى أي حال فليس احتجاج خصوم الغاية بحاسم، فقد تكون الغاية هدفاً يقصد إليه، كما
ندّعي نحن، وفي الوقت نفسه نهاية أفعال طلية دون قصد كما يقولون. أجل إن الطير يطير
لأن له جناحين، وإن الساعة تسجل الوقت لأن أجزاءها متناسقة، ولكن أجزاء الطير وأجزاء
الساعة اتسقت للطيران ولتسجيل الوقت، لا لشيء آخر، ولولا هذا الاتساق لتعطل الطير
وتعطلت الساعة حتماً. فإنكار وجود صانع صنع الساعة عن قصد وعقل غلط ليس له أدنى
مسوغ. كذلك الطيران هو العلة الغائية للجناحين، وهو الملحوظ في تركيب الطير هذا التركيب
المعين. وإنما يبدو القصد والعقل من النسب المتناقسة والوسائل الكفيلة بإنتاج نتائج جميلة
نافعة. والعالم مصنوع تسطع فيه أعجب الأنظمة وأدق الوسائل للغايات المنشودة. فهو إذن
صنع علة عاقلة. ثم إن للإنسان عقلاً، وليس هو صانع نفسه، فكيف لا يكون صانعه عاقلاً؟

ح) وقد كان خليقاً بالمتندرين أن يحذوا حذو أصحاب الغائية، ويمتحنوا شواهدها التي لا
تحصى كي يروا إن كانت متفقة مع المنهج العلمي، وذلك ما فعله ابن رشد في صفحة نريد أن
نثبتها هنا مثالاً للاستدلال السليم، قال: «إن الشمس لو كانت أعظم جرماً وأقرب مكاناً لهلكت
أنواع النبات والحيوان من شدة الحر. وكذلك لو كانت أصغر أو أبعد لهلكت من شدة البرد.
وتظهر العناية في أنه لولا فلكها المايل لما كان هنا صيف ولا شتاء ولا ربيع ولا خريف.
وهذه الأزمان ضرورية في وجود أنواع النبات والحيوان. ولولا الحركة اليومية لم يكن ليل
ولا نهار، وكانت تكون نصف السنة نهاراً، والنصف الأخير ليلاً، وكانت الأشياء تهلك من الحر
في النهار، وفي البرد في الليل. وأما القمر فأثره بيّن في تكون الأمطار، وإنضاج الفواكه، ولو
كان أعظم أو أصغر أو أبعد أو أقرب، أو لم يكن نوره مستفاداً من الشمس، لما كان هذا الفعل،
وأيضاً لو لم يكن له فلك مايل، لما كان يفعل أفعالاً مختلفة في أزمان مختلفة، ولذلك تسخن به
الليالي في زمن البرد، وتبرد في زمن الحر: أما سخونتها في زمن البرد فلأن وضعه منا
يكون كوضع الشمس في زمن الحر، بأن يكون أقرب إلى سمت رؤوسنا إذ كانت فلكه أكثر
ميلاً. وأما في زمان الحر فيكون الأمر بالعكس إذ كان أبداً، إنما يظهر في الجهة المقابلة
للشمس ... وليس ينبغي أن يتوهم أن ذلك لغير العناية بما هاهنا. وعلى مثال ما قلنا في
الشمس والقمر ينبغي أن يعتقد الأمر في سائر الكواكب».


برهان من الممكن الوجود إلى الواجب الوجود:
أ) الكائنات المختلفة تتكون وتفسد، تظهر وتزول، فهي قبل التكون والظهور ممكنة، قد توجد،
وقد لا توجد، وليست معينة بذاتها وطبيعتها لأحد هذين الطرفين، فلا توجد إلا لأمر مرجح، بعكس
الممتنع لذاته وطبيعته، فإنه لا يوجد أصلاً، كالدائرة المربعة، وبعكس الواجب لذاته وطبيعته، فإنه
موجود ضرورة، كالله، فلو لم يكن هناك موجود واجب، وكانت جميع الكائنات ممكنة وقتاً ما، لما
كان يوجد شيء الآن، ولن يوجد شيء أبداً. والممكنات الموجودة كثيرة جداً، وإذن يوجد
موجود واجب.
ب) وليس يمكن أن يكون هذا الموجود مجموع الكائنات، فإنها متغيرة، والمجموع متغير
مثلها: إنه مزاج من فعل وقوة، ومن ثمة غير موجود بذاته، والتغير في عمومه يقتضي علة
منزهة عن التغير، كما بينا في برهان الحركة.
ج) ومحال التداعي إلى غير نهاية في سلسلة الممكنات، كما أثبتنا آنفاً. وحتى لو كانت هذه
السلسلة أزلية، فإنها عاجزة عن توفير علة كافية للوجود موجودة بذاتها. وإذن يوجد موجود
ضروري لذات ماهيته.
د) ولا نقولن مع الغزالي إن من التناقض إثبات صانع للعالم مع الاعتقاد بقدم العالم، كما فعل
الفلاسفة إذ ليس الصنع متعلقاً بسبق العدم، وإنما هو لازم لإيجاد الممكن في أي زمان كان، ثم إن
حفظ الله للمخلوقات يقتضي أن المخلوق مفتقر إلى الله في كل آن.
هـ ) ويدّعي كنط أن هذا البرهان مركب على غرار دليل القديس أنسلم المدعو بالدليل
الأنطولوجي الذي يستنتج من فكرة الموجود الضروري فكرة وجود موجود كلي الكمال، وهذه
نتيجة إذا عكسناها عادت «الموجود الكلي الكمال موجود ضروري، أي يوجد ضرورة»، ولكن
برهاننا يمضي من الوجود الواقعي لموجودات ممكنة لاستنتاج وجود واقعي تقتضيه.


ـ خمسة براهين خاصة:
أ) تلك هي براهين عامة أي شاملة لكل موجود طبيعي. وهي يقينية لأول وهلة إذا خلصنا
اليقين من الشوائب التي غشوه بها. تستند على يقينيات كالمشاهدات التجريبية ومبدأ العلة
الفاعلية، ومبدأ العلة الغائية، بحيث تبدو أنها وفطرة العقل شيء واحد. وهنالك براهين أخرى
خاصة أي مأخوذة من موجودات معينة أو وجهات معينة للموجودات، لا تقل عن تلك إحكاماً
وضرورة ويقيناً. أولها من حيث العموم والشمول موضوعه تضاؤل الطاقة في الطبيعة:
فقد كان المعتقد أن الطاقة ثابتة للمادة، لا تخلق ولا تندثر، وأن المادة تخلق ولا تندثر، ثم تبين أن
الطاقة تنتظم من قسمين: قسم عامل يتحول إلى كيفية من الكيفيات الطبيعية كالحرارة مثلاً، أو
كالحركة. وقسم ساكن عديم الأثر كأنه معدوم، وأن القسم العامل تتضاءل كميته باستمرار،
فدل ذلك على أمور هامة للغاية. أمر أول أن الطاقة وبخاصة الطاقة العاملة، ليست للمادة
بماهيتها، كما اعتقد كثيرون في مقدمتهم الماديون، فهي إذن آتية من علة مغايرة لها، وأن لوجود
المادة نفسها علة. أمر ثان أن العالم ليس أزلياً، لأن تضاؤل الطاقة العاملة يعني أنها متناهية
ذاهبة إلى النفاد، فلو كانت الطاقة أزلية لنفدت حتماً. أمر ثالث أن العالم ليس أبدياً ما دامت
الطاقة متروكة لشأنها، وهي زائلة، فإذا بقي العالم كان بقاؤه بفضل علة متمايزة منه.
ب) برهان ثان مأخوذ من علم الحياة. وهو أضيق نطاقاً من البرهان السابق: مؤداه أنه
يمتنع ـفسير الحياة بالعناصر المادية وحدها، فلابدّ من خالق لها، على ما هو مبين في مبحث
الحياة النامية.
ح) برهان ثالث مستمد من غرائز الحيوان، وهي جزء من كيانه لا يتجزأ، وهي وكيانه عجب
ما يكون من بين الغائبات تنوعاً ودقة.
د) برهان رابع أو براهين لا تحصى مستمدة من وجهات تبدو فيها استحالة تعليل أي شيء
كان بدون الله. وهي براهين خُلف تعدل البراهين المستقيمة قوة ودلالة.
هـ ) برهان خامس متخذ من النفس الإنسانية وما تشعر به من اشتهاء السعادة اشتهاء
ضرورياً، وتجربتها أن الخيرات الجزئية لا توفر لها إلا سعادات جزئية زائلة قد يكون جلّها زائفاً
خادعاً، وعلمها بأن السعادة لا تتحقق إلا بالخير بالذات البريء من كل شائبة، وإن من المستحيل
ذهاب النزوع الطبيعي عبثاً، إذ أنه يكون حينئذ بلا غاية وبلا علة. وما كان هكذا فهو متناقض
معدوم، فإن للنزوع الطبيعي نسبة إلى غاية وميلاً إليها، فتحكم النفس بوجود موجدو هو الخير
بالذات الذي يرضي ذلك الميل تمام الرضى. وما لمبدأ الغائية من قيمة مطلقة يعطي هذا
البرهان قيمة مطلقة. وإذا اعتبر كل إنسان هذا الميل الأساسي والتزم به، اتجه إلى الفضيلة
وانحلّت المشكلة الخلقية، إن توقان النفس إلى الخير والكمال، ولو مرة واحدة، لهو الدليل الأقوى
على وجود الله

صورة ذكوري

الله يعطيك العافيه

صورة ابن الفائق


اليقين الديني واليقين التجريبي



1 ـ هناك فارق كبير بين العلوم ذات الطابع التجريبي ـ التي يقوم اليقين فيها على التجربة المادية
ـ والعلوم ذات الطابع الإنساني، التي يُعرض فيها لقضايا الدين والوحي، ذلك أن قضايا العلوم
التجربية تمثل ـ عند الوصول إليها بصورة يقينية حقائق خارجية، لها وجود يمكن الرجوع إليه
خارج الذات التي توصلت إليها، وخارج كل ذوات البشر، بحيث يكون من اليقيني أن تتكرر
النتيجة التجريبية كلما توفرت شروطها، وظروفها، بصرف النظر عن المكونات الذاتية
والوجدانية لمن يقوم بها ومن يشاهدها. فإذا كانت إضافة عنصر ما إلى عنصر آخر ـ في
ظروف خاصة ـ تنتج تركيباً معيناً، فإنه كلما أضيف العنصرات ـ في نفس الظروف المطلوبة ـ
فإن الإضافة لابدّ أن تنتهي إلى نفس النتيجة اليقينية التي سبق التوصل إليها، بحيث لا تتخلف
النتيجة أبداً إلا إذا كان التخلف راجعاً إلى تغير شيء من شروط التجربة وظروفها. ومهما
تكن عقيدة القائم بالتجربة، وجنسه، وسنّه، وتكوينه الوجداني والنفسي، فلابدّ أن تنتهي تجربته
بنفس نتيجتها ما دام قد التزم بكافة شروطها وتيسرت له موادها.
وهنا يمكن الفصل حقاً بين (ذاتية القائم بالتجربة ومكوناته الشخصية الخاصة) وبين
(موضوع هذه التجربة)، وذلك لأن التجربة، مرجعاً يقينياً خارجاً عن ذوات البشر جميعاً، غير
متأثر بعقائدهم وصفاتهم الخاصة. وهذا المرجع اليقيني الخارجي الذي لا يتخلف هو (الطبيعة
والوجود المادي). ومن هنا نستطيع تكرار التجربة دون حدود واثقين من أنها ـ عند توفر كل
شروطها ـ لابدّ أن تنتهي إلى نفس النتيجة، أياً كان القائم بها.
أما المعارف ذات الطابع الإنساني المتداخل مع ذات الإنسان ووجوده الباطني والنفسي بصورة

ما ـ فإن اليقين فيها مختلف عن اليقين الذي عرضنا له في التجريبيات الموضوعية، ذلك أن
الأمر في الإنسانيات ـ وإن اعتمد على شواهد الطبيعة والوجود المادي الخارج عن الذات ـ فإن
مرجع اليقين، والتوقف، والرفض فيه إلى الذات الإنسانية التي تُعرض عليها هذه الشواهد
الخارجية، فتمزجها بمكوناتها الخاصة، تنظر إليها من خلال تجاربها الذاتية وخصوصياتها النفسية
والوجدانية، وتنتهي فيها إلى نتيجة ما لا تستطيع نقلها إلى الآخرين، كما ينقل العالم التجريبي
يقينه، ونتيجته في التجربة المادية إلى الآخرين، بوصفها وصفاً مادياً دقيقاً، وتكرارها أمامهم إلى
أن يقوموا بها هم أنفسهم ليصلوا فيها إلى نفس يقينه، ذلك أن المعرفة البشرية التي تدخل
خصوصيات الذات في تكوينها ترجع إلى أمور واعتبارات يستحيل نقلها والبرهنة عليها خارج
الذات بصورة كاملة قاطعة، كما يتيسر ذلك في التجريبيات الموضوعية.
فللإيمان بصدق الدين مثلاً شواهد موضوعية خارج الذات، لكن وجهة النظر الخاصة إليها ويقين
الإنسان فيها ترجع في الحقيقة إلى مكونات الذات الخاصة، بحيث تكون هذه الشواهد ملائمة
بالنسبة لشخص ما لأن تنتهي به إلى يقين ثابت في أن الدين والوحي حق، وأن مقولاتهما من
الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر ـ حق.
لكن هذه الشواهد المادية نفسها حينما تعرض على شخص آخر يختلف عن السابق في مكوناته

الذاتية وتجاربه وظروفه ـ فإن هذه الشواهد يمكن أن تنتهي به إلى نقيض النتيجة السابقة من
رفض دعوى صدق الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر وتفسير الوجود تفسيراً
مادياً مطلقاً، بما في ذلك ظواهر (النبوة) و (الوحي) و (نشأة التدين) وكل القضايا
العقدية والتاريخية المتصلة بذلك.
وحينئذ، هل يستطيع أي الرجلين أن ينقل يقينه الباطن إلى الآخر كما هو عنده تماماً؟ وهل
يستطيع أن يبرهن ـ ببرهان خارج عن ذاتهما معاً، أي ذوات البشر جميعاً ـ على صحة معتقده
بصورة تجريبية يقينية لا يملك الآخر معها إلا التسليم؟
لو أن هذا الأمر كان ممكناً حقاً لكان الناس منذ ظهرت قضية الدين قد انحازوا فيها جميعاً ـ وهم
على يقين لا يتزعزع ـ إلى قول واحد لا سبيل لعاقل إلى مخالفته ورفضه ـ كما يحدث عادة في
مجال النتائج اليقينية للعلم التجريبي بشتى فروعه ـ لأن صاحب اليقين الديني عندئذ كان سيدلل
على يقينه الباطني بأدلة خارجة عن ذاته وذات معارضه وذوات البشر جميعاً، كما يدلل صاحب
التجربة العلمية على صحة تجربته بدعوة الناس إلى تكرارها بشروطها وظروفها مرات عديدة
ليروا أن نتيجتها لا تتخلف مرة واحدة إذا ما توفرت هذه الشروط والظروف، بصرف النظر عن
شخص القائم بها ومكوناته النفسية والوجدانية الخاصة وجنسه وسنه وكافة خصوصياته.
لكن ذلك لم يحدث، ويبدو أنه لن يحدث، ما دام أمر الاعتقاد البشري ـ في المعرفة التي تتداخل

فيها والذات البشرية على السابق ـ ليس مرجعه الأخير خارج الذات، بحيث يمكن تكرار التجربة
فيه مرات لا حصر لها كلما توفرت ظروفها، وبحيث تنتهي التجربة في كل مرة ـ دون تخلف ـ
إلى نفس النتيجة التي لا يملك العاقل إلا التسليم بها.

2 ـ ولا شك أن الأنبياء الذين عاينوا تجربة الوحي وعايشوها بأنفسهم كانوا أكثر المؤمنين بها
يقيناً، ومع هذا لم يستطيع واحد منهم أن ينقل يقينه الباطن هذا إلى البشر جميعاً بحيث لا يتخلف
واحد منهم عن التسليم بصحته، ولا إلى كل مَن لقيهم ولقوه من معاصري كل نبي.
وفي النصوص والتواريخ الدينية نماذج متعددة لم يستطيع فيها النبي أن ينقل شيئاً من يقينه إلى

أفراد من أقرب الناس إليه بينما يستطيع أصغر الباحثين التجريبيين ـ حين يصل إلى نتيجة يقينية ـ
أن ينقل يقينه المكتشف فيها إلى الناس جميعاً، حيث يرجع فيها إلى أمور خارجة عن ذوات
البشر، بحيث تتكرر النتيجة كلما توفرت نفس ظروف اكتشافها، فلا يكون أمام العاقل إلا التسليم
بصحتها.
وقد يثير شيئاً من العجب لدى بعض الناس أن يعرفوا أن بعض آيات القرآن الكريم قد عرضت
لتقرير هذه الحقيقة فيما يختص بأثر النصوص الدينية ـ بما تتضمنه من دلائل وشواهد للإيمان ـ
في قلوب الناس وعقولهم، حيث تبين بصورة صريحة أن الآيات التي تزيد الإيمان في قلوب
بعض الناس وتهديهم إلى اليقين هي نفسها التي لا تزيد بعضهم الآخر إلا جحوداً واصراراً على
الرفض، فهي تحدث تأثيرين متناقضين تجاهها وتجاه قضية (الدين) بعامة، وذلك تبعاً
لاختلاف الخصوصية الذاتية لدى نوعين من البشر، يقول تعالى: (وتنزل من القرآن ما هو
شفاء ورحمة للمؤمنين. ولا يزيد الظالمين إلا خسارا) الإسراء: 82.

3 ـ وقد يأتي إلى الذهن في هذا المجال موضوع (المعجزات الدينية) باعتبارها أمراً يصدر
عن الأنبياء خارقاً للعادات والقوانين الطبيعية، بحيث يكون من شأنها أن تحمل مشاهديها ـ وكل
مَن يصلهم خبرها اليقيني ـ على التسليم بصدورها عن قوة أعلى من البشر، فما يتضمن التسليم
بقضية الدين الأساسية، وهي أن الوحي من الله سبحانه وتعالى ولا يمكن أن يكون صادراً عن
ذات النبي أو غيره من البشر.
وقد يقال بناء على ذلك إن المعجزة في هذا تؤدي ـ من حيث أثرها ـ نفس دور التجربة العلمية
التي سبق أن أشرنا إليها، لأن كلا منهما تؤدي ضرورة إلى تسليم المشاهدين بها ويقينهم فيها،
وإن كانت التجربة العلمية كشفاً لقانون مطرد من قوانين الطبيعة، يكشف العقل عنه فلا تتخلف
نتائجه إذا توفرت شروطها، أما المعجزة الدينية فهي في حقيقتها كسر للقوانين المطردة في
الطبيعة لا يستطيع الإنسان له تفسيراً إلا بالتسليم بصدوره عما وراء هذه الطبيعة حيث يستحيل
تفسيرها في نطاقها.
لكن استقراء تواريخ النبوات يدلنا في وضوح على أن (المعجزة الدينية) لم تقم في تاريخ
النبوة بنفس الدور الذي قامت ـ وتقوم به ـ (التجربة العلمية) في تاريخ العلم والتطور
التجريبي المادي. وقد بدا الفارق بينهما أكثر وضوحاً في القرون الأخيرة على وجه
الخصوص، منذ أخذ الناس يتقبلون نتائج العلوم التجريبية باليقين والتصديق، متى توفرت لهم
الدلائل المادية على صدفها، بصرف النظر عن أي اعتبار آخر كان يصدهم من قبل عن هذا
التصديق. ولست تجد الآن إنساناً عاقلاً ينازع في أية نتيجة أو قانون علمي ثبتت صحته
بطريق المنهج التجريبي في الطبيعة وموادها.
فالاكتشاف في مجال التجريبيات يحمل طابع الإلزام لجميع البشر، لأن دلائل اليقين فيه

والاستدلال عليه ترجع في النهاية ـ كما سبق ـ إلى الوجود المادي الخارج عن الذات البشرية في
خصوصها وعمومها.
فمتى توصل العلماء التجريبيون إلى اكتشاف قانون ما من قوانين الوجود، في الطبيعة، أو
الكيمياء، أو الطب، أو العلوم الرياضية، أو غيرها من مختلف العلوم التي تعتمد قوانينها أساساً
على التجربة الموضوعية ـ فلن تجد إنساناً عاقلاً يحكِّم (ذوقه الخاص) أو (مكونات وجدانه
الباطني) أو غيرهما من خصوصيات وجوده الذاتي، في قبوله أو رفضه، لأن مرجع اليقين
فيه خارج الذات. وحتى (الفرض العلمي) الذي لا يرقى إلى مستوى القانون اليقيني، فإن
موقف العلماء من قبوله أو رفضه أو التوقف فيه لا يرجع إلى شيء من خصوصيات الذات (أو
الذوق الباطني) أو (مكونات وخصائص الوجدان)، إنما يرجع إلى اعتبارات وحقائق مادية
تدركها عقول العلماء في مواد الطبيعة وقوانينها الأخرى التي حظيت منهم جميعاً بالقبول.
أما فيما يتصل بأثر (المعجزة الدينية) في تاريخ النبوات فإن الأمر يختلف عن ذلك، حيث لم

تؤد معجزات الأنبياء إلى تصديق معاصريهم جميعاً، بل لم تؤد إلى إيمان كل مَن عاينوا المعجزة
بأنفسهم.
وفيما يتصل بموسى وأخيه هارون (ع)، فإننا نجد في العهد القديم أنه بعد أن تحققت معجزة
العصا أمام فرعون والمصريين، اشتدّ قلب فرعون فلم يسمع لهما، ولم يؤمن بهما رغم حدوث
المعجزة أمامه، وكلم الرب موسى وهارون قائلاً: إذا كلمكما فرعون قائلاً هاتيا عجيبة تقول
لهارون: خذ عصاك واطرحها أمام فرعون فنصير ثعباناً. فدخل موسى وهارون إلى
فرعون وفعلا هكذا كما أمر الرب. طرح هارون عصاه أمام فرعون وأمام عبيده فصارت
ثعباناً. فدعا فرعون أيضاً الحكماء والسحرة. ففعل عرافو مصر أيضاً بسحرهم كذلك.
طرحوا كل واحد عصاه فصارت العصى ثعابين. ولكن عصا هارون ابتلعت عصيهم.
فاشتد قلب فرعون فلم يسمع لهما كما تكلم الرب» (سفر الخروج، الاصحاح السابع، 8 ـ
13).
وفيما يتصل بالمسيح (ع) فإننا نجد في إنجيل يوحنا عن إحيائه لليعازر أن المسيح (ع)
جاء إلى قبره «وكان مغارة وقد وضع عليه حجر، قال يسوع: ارفعوا الحجر. قالت له
مرثا أخت الميت: يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام. قال لها يسوع: ألم أقل لك إن آمنت
ترين بحد الله. فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعاً ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال:
أيها الأب أشكرك لأنك سمعت لي. وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي. ولكن لأجل هذا
الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لعازر هلم
خارجاً. فخرج الميت ويداه ورجلاً مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل. فقال لهم
يسوع: حلوه ودعوه يذهب.
فكثيرون من اليهود الذين جاؤوا إلى مريم ونظروا ما فعل يسوع آمنوا به وأما قوم منهم فمضوا
إلى الفريسيين وقالوا لهم عما فعل يسوع. فجمع رؤوساء الكهنة والفريسيون تجمعاً وقالوا:
ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي
الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا» (يوحنا، الاصحاح الحادي عشر، 29 ـ 40).
وبعد أن أبرأ المسيح (ع) الأكمه فجعله يبصر، حدث أيضاً الشقاق بين اليهود بسبب ذلك،

وانقسم رأيهم فيه بين مصدق لنبوته ومكذب لها على رغم المعجزة (انظر: يوحنا، الاصحاح
التاسع).
فهانحن نرى أن المشاهدين الذين كان لهم دين سماوي سابق يعرف المعجزة الدينية قد انقسموا
أمام المعجزات الخارقة للعادات الطبيعية المادية التي حدثت على يد المسيح (ع)، فبعضهم
آمن، ولم يؤمن بعضهم الآخر.
وقد حدث مثل هذا أيضاً بالنسبة لرسولنا محمد (ص)، فلم يؤمن به كل مَن وصلته أنباء

معجزاته أو عاصرها.
ومما لا شك فيه أن (القرآن الكريم) أعظم معجزاته وأبقاها على مر الزمن ومع هذا أن

بعض آياته تذكر بوضوح أن قارئي القرآن وسامعيه لا يستوون من حيث أثره فيهم، فمنهم مَن
يؤمن به ويستقر في قلبه أنه اليقين والحق وأن فيه شفاء القلوب مما تجد من هواجس الشك
والريبة، ومنهم مَن لا يزيده إلا خساراً وكفراناً وجحوداً.
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم أن خرق نواميس الطبيعة المادية بالمعجزات

الإلهية ـ مهما بلغت في الإعجاز ـ يمكن أن يؤدي ببعض الناس إلى الإصرار على الجحود
والكفر ومحاولة تفسير المعجزة بصورة تبعدهم عن الالتزام بالإيمان بصدق الدين والوحي.
يقول تعالى: (ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعجرون. لقالوا: إنما سكِّرت
أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون) الحجر: 14 ـ 25. وذلك أن الأمر في الإيمان
يرجع إلى اعتبارات باطنة في قلب الانسان من الهداية والضلال، تمتزج فيها المشيئة الإلهية
بالاختيار البشري في صورة لا يتوقف الإيمان فيها على مجرد الشواهد المادية الخارجية التي
تحدث في الطبيعة المادية كما هو الحال في العلم المادي التجريبي وقوانينه الملزمة للناس جميعاً
بيقينها، كرجوع أمر اليقين فيها إلى أمور التجربة المادية وحدها دون أن تتداخل فيها الاعتبارات
والخصوصيات الذاتية.
يقول الله تعالى في ذلك عن بعض الكافرين: (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية
ليؤمنن بها، قل إنما الآيات عند الله، وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون؟ ونقلب أفئدتهم
وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أولى مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون) الأنعام: 109 ـ 110،
ثم يفصل ذلك بقوله تعالى: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة، وكلمهم الموتى، وحشرنا لعيهم كل
شيء قبلا، ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله، ولكن أكثرهم يجهلون) الأنعام: 111.
وقد أحالت هذه الآية أمر الإيمان إلى مشيئة الله تعالى، هذه المشيئة التي تتداخل في قلب الإنسان

من حيث الهداية والإضلال، فتهدي إلى سبل اليقين قوماً اختاروا الإيمان واتجهوا إليه، كما تضل
عن هذه السبل قوماً آخرين اختاروا الكفر واتجهت إليه قلوبهم وأعمالهم، كما قال تعالى في آيات
أخرى: (يضل به كثيراً، ويهدي به كثيراً، وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله
من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون)
البقرة: 26 ـ 27.
وكما قال تعالى عن الاختيار البشري الذي تيسر له المشيئة الإلهية. السبل إلى ما اتجه إليه
اختياره (والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى. إن سعيكم
لشتى. فأما مَن أعطى واتقى. وصدق بالحسنى. فسنيسره اليسرى. وأما مَن بخل
واستغنى. وكذب بالحسنى. فسنيسره للعسرى. وما يُغنى عنه ماله إذا تردى. إن
علينا الهدى. وإن لنا للآخرة والأولى) سورة الليل: 1 ـ 3.

4 ـ هل هذا الاختلاف بين طبيعة العلم التجريبي في الماديات، والعلم في المجالات التي تتداخل
فيها خصوصيات الذات البشرية بالتقويم والنظر والتوجيه ـ يتضمن نوعان من الغض من قيمة
ذلك العلم الذي لا يمكن البرهنة الخارجية على اليقين فيه بصورة موضوعية خالصة لا تتدخل
فيها الذات ولا يملك العقل إلا التسليم أمامها؟
قد يقول بعض الناس ذلك، وقد يبنون عليه أنه ينبغي قصر مفهوم كلمة (العلم) على النوع
الذي يمكن البرهنة اليقينية عليه خارج الذات كلما توفرت شروطها المادية.
وقد يدعون ـ وقد حدث بالفعل ـ إلى طرح النوع الآخر من دائرة (العلم البشري). وهم

ينتهون من ذلك كله إلى الدعوة إلى تفسير الوجود تفسيراً مادياً لا يؤمنون فيه إلا بالمعرفة
التجريبية التي يكون مرجعها النهائي خارج الذات البشرية وخصائصها ومكوناتها النفسية
والعقلية والوجدانية.
وقد يرد عليهم بأن الحياة البشرية لن يتيسر لها أبداً طرح كل ما تتداخل الذات في تقويمه، وما

تكون الخصائص والمكونات الوجدانية والنفسية دخل كبير في قبوله ورفضه، ذلك أن تقويم
الإنتاج الأدبي والفني، أو النظرة الخاصة إلى القيم الجمالية في الطبيعة أو في الفن، أمور لابدّ أن
يتدخل فيها (الذوق الخاص) و (خصوصية التكوين النفسي والوجداني)، مهما حاول النقاد
أن يقعدوا لها قواعد موضوعية مضبطة خارج الذات.
فبالرغم من أنه يمكن فعلاً وضع قواعد موضوعية منهجية لتقويم الأعمال الأدبية والفنية،
ومقاييس للجمال والجودة فيها، وفي الطبيعة أيضاً، بحيث يتفق عليها جمهور الناس ـ إلا أنه من
المقطوع به أن يظل هناك في مجال تقويم مثل هذه الأعمال ـ إلى جوار هذه القواعد المنضبطة
الخارجة عن خصوصيات الذات ـ جانب ينبع مباشرة من المكونات النفسية والعقلية والوجدانية
الخاصة لذات الإنسان الذي يطالع العمل الأدبي أو الفني ويقومه. أعني أنه سيظل هناك جانب
ينبع عن (الذوق الخاص) وخصوصية التكوين النفسي والوجداني، وهو جانب من العسير
جداً على عقل الناقد أن يرصده، ويخلص إلى مصادره الأساسية في نفسه وخبراته ومكوناته
الشعورية واللاشعورية، بحيث يستطيع بعد ذلك أن يعبر عنه في وضوح. وحتى إذا فرضنا
أن ذلك أمر ميسور له، فإن نقل اليقين، أو النفور، الصادر عنه، إلى الناس أمر عسير جداً، بل
نظن أنه غير مستطاع بصورة كاملة، لما في ذلك الجانب من خصوصية شديدة.
وأيضاً فإن الحجة التي يستند إليها القائلون بوجوب قصر مجال (العلم البشري) على ما

يمكن البرهنة اليقينية عليه تجريبياً خارج الذات ـ لا تكفي الوصول إلى هذه النتيجة، لأن عدم
استطاعتنا البرهنة على قضايا الاعتقاد بصورة تجريبية مباشرة ـ كتلك التي تجري في علوم
الطبيعة أو الكيمياء مثلاً ـ لا يلزم منه بالضرورة أن مضمون هذه القضايا الاعتقادية باطل، لأن
الحياة المادية نفسها ـ وفي نطاق التجريبيات التي يتعلقون بها ـ أمور كثيرة جداً ينحصر مجال
العلم البشري بها ـ حتى الآن على الأقل ـ في فروض ونظريات لا يستطيع أصحابها البرهنة
اليقينية عليها بصورة تجريبية قاطعة حاسمة كتلك التي يطلبونها وينادون باشتراطها في كل ما
يصح إطلاق (العلم) عليه عندهم، ذلك أن مثل هذه البرهنة اليقينية على هذه الفروض لم تتح
لأصحابها الدين يتقدمون بها كفروض واحتمالات فحسب.
ولا يكاد يخلو مجال من مجالات المعرفة البشرية من هذه الأمور التي يقوم العلم البشري فيها
على مجرد (الافتراض)، حتى يصل الافتراض إلى أكبر القضايا وأخطرها مثل (الأصل
المادي للكون): كيف تكوّن؟ وممّ؟ وما المراحل التي مر بها؟ وكتصوير لشيء من الأسئلة
التي لا تجد لها في دائرة العلم البشري حتى الآن أجوبة يقينية أو أدلة تجريبية قاطعة نجد العالم
ب. ي. ليفين بعد أن تناول بعض النظريات في (تركيب المجموعة الشمسية) و
(تكوين الكواكب) و (عمر الأرض) وما يتصل بذلك من قضايا.
يقول في خاتمة دراسته: «وما زال هناك الكثير الذي يجب إنجازه لنحصل على صورة كاملة

عن أصل المجموعة الشمسية.
فبعض المشاكل لم تدرس بالمرة، وبعضها الآخر يجب أن يتم بعضه بتفصيل أكبر. فمثلاً، لماذا
لا تكاد كتلة تابع الأرض (القمر) Moon تبلغ إلا 82 مرة أقل من كتلة الأرض نفسها،
بينما للكواكب الأخرى نوابع ذوات كتل أصغر آلاف وملايين المرات من كواكبها؟ وكيف تشكل
سطح القمر؟ ولماذا ليس للمريخ جبال عالية أو سلاسل جبال؟ وما هو أصل هذا الحشد الهائل
من المذنبات التي أنت منها المذنبات التي نراها اليوم؟ وما هو أصل الغضاريف
Chondrukes هذه الكرات الدقيقة التي هي إحدى المكونات الهامة لمعظم الشهب؟.
كل هذه الأسئلة، وعديد غيرها، إما ينتظر الجواب، وإما أن الإجابة عليه ما زالت عامة ذات

طبيعة تقريبية» (أصل الأرض والكواكب).
فالقول بأن مجال (العلم التجريبي) كله، وما ينبني عليه من قضايا أساسية، يمكن البرهنة

عليه تجريبياً بصورة قاطعة ينتفي فيها (التساؤل) أو (الفرض) أو (عدم اليقين) ـ
قول يتضمن كثيراً من الخداع والبطلان. ومن ثم ليس لأحد أن يحاول قصر (المعرفة
البشرية) على العلم التجريبي، وعد كل ما عداه خرافة أو أسطورة، بحجة أنه غير مستوف
لشروط اليقين التجريبي القاطع، لأنه يبدو أيضاً أنه مكتوب على البشر أن تظل أمامهم دائماً ـ
مهما تقدموا في شتى مجالات المعرفة ـ أمور لا يتيسر لهم فيها اليقين القاطع الذي يطلبونه،
ويتحقق لهم فعلاً في بعض القضايا التجريبية.
فإذا نادى أحد بوجوب طرح كل ما لا يمكن البرهنة المادية عليه تجريبياً ـ وبصورة مباشرة

متكررة ـ من مجال المعرفة والاعتقاد البشري، فإنه يجاب عليه بأن ذلك نفسه يؤدي إلى طرح
كثير من القضايا التي تدخل في صميم بحث العلم التجريبي، والتي لا يستطاع ـ حتى الآن على
الأقل ـ البرهنة اليقينية عليها تجريبياً، أو حتى الوصول فيها إلى ظن راجح بأدلة.
فإن قيل: إن العلم التجريبي سوف يصل في وقت ما ـ بطريق البحث المتتابع جيلاً بعد جيل ـ

إلى اليقين العلمي في هذه القضايا.
فإنه يقال أيضاً: إن وصول البشرية إلى إجابات يقينية عن كل شيء في الوجود المادي ـ دون
أي استثناء ـ إنما هو، حتى الآن، مجرد (فرض) تجد له هو الآخر معارضة قوية فيما يذكره
كثير من العلماء التجريبيين من أن حل كثير من مشكلات الوجود المادي بإجابات مقنعة، كثيراً ما
يقودنا إلى أسئلة أخرى لا تجد جواباً، فإذا بحثنا عن إجابة لها، ووصلنا إلى حل ألغاز بعضها،
فإن هذا الحل نفسه كثيراً ما يقودنا هو الآخر إلى تساؤلات أخرى تتطلب الجواب ...
وهكذا، حتى يدرك العقل البشري أن محاولاته المستمرة لتعليل الظواهر المادية، وتعليل العلة،
وعلة العلة، أمر لن يقوده في النهاية إلى العلم الشامل الكامل الذي ينكشف معه كل شيء بإطلاق
دونما أي خفاء، لأن أسرار الوجود المادي وعلله تبدو أكبر بكثير جداً مما يمكن العقل البشري
أن يحيط به بشمول.
وحتى إن يحقق ذلك الفرض، وأصبحت البشرية عالمة علماً شاملاً محيطاً بكل جوانب الوجود
المادي من أصغر ذرة في الأرض إلى أبعد نجم وكوكب من الكون، فإن ذلك كله لا يكفي ـ في
ذاته ـ للبرهنة على بطلان قضية الدين ومضمونها، لا بعد أن يصل البشر إلى السيطرة الكاملة
على كل قوانين الخلق والوجود المادي، بحيث يصبح في مقدورهم خلق الحياة من العدم،
والإحاطة القاطعة بكنه (الروح)، والقضاء على ظاهرة (الموت)، وغير ذلك من الأمور
التي قطعت النصوص الدينية بعجز البشر المؤبد عن الوصول إليها أو الإحاطة بأسرارها.
أما قبل ذلك، فإن الدعوة إلى طرح قضايا الاعتقاد الديني من مجال (العلم البشري) بحجة أنه

لا يمكن البرهنة على صحتها بصورة تجريبية مادية مباشرة قابلة للتكرار، دعوة تتضمن شيئاً
كثيراً من ترتيب النتائج على مقدمات لا تؤدي إليها لما سبق أن عرضنا له ـ ثم هي أيضاً دعوة
تخالف ـ في نظري ـ الأسلوب العلمي المتبع في العلوم التجريبية ذاتها، حيث لا يُطرح احتمال ما
من ماجل البحث ـ بصورة نهائية ـ إلا بعد أن تقوم أدلة قاطعة على وجوب طرحه لأنه لا احتمال
لليقين فيه. ومثل هذه الأدلة القاطعة لم تقم أبداً بالنسبة لبطلان قضايا الدين ومضامينه على
وجه العموم، بل إن النقيض هو الذي يحدث دائماً بالنسبة للباحث المحايد حيث تقوم أدلة بالغة
القوة على صدق قضية الدين.

5 ـ لكن، ألا يقودنا ذلك كله إلى تساؤل هام:
ولِمَ لَمْ تكن معجزات الدين ونصوصه وبراهينه، بالنسبة لكل من تعرض عليه، في قطعية التجربة

المادية اليقينية التي سبق أن عرضنا لها، بحيث لا يملك الإنسان أمامها إلا التسليم بصحتها، دون
احتمال منه لرفض أو رد وبحيث يمكن تكرر البرهنة المادية عليها ـ عند توفر شروطها ـ أمام
كل مَن تعرض عليه؟
إن القرآن الكريم يعرض وجهة الدين في الإجابة عن هذا التساؤل الهام حين يقول الله تعالى

لرسوله الذي كان الحزن يملأ قلبه لعدم إيمان الناس جميعاً بصدق القرآن: (لعلك باخع نفسك
أن لا يكونوا مؤمنين إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين)
الشعراء: 3 ـ 4. يعني ـ كما يقول ابن كثير وغيره ـ : لو شئنا لأنزلنا آية تضطر الخلق
جميعاً إلى الإيمان بها قهراً، بحيث لا يكون أمام واحد منهم أدنى احتمال لتكذيب أو رفض، ولكنا
لا نفعل ذلك، لأنا لا نريد من أحد إلا الإيمان الاختياري، الذي يعطى فيه شيء من حرية الإرادة
والاختيار الحقيقي الذي سيحاسب الإنسان على أساسه.
ويعرض القرآن الكريم لخلق الكون والإنسان فيقول: (الله الذي خلق السموات والأرض

وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون.
يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون. ذلك
عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم. الذي أحسن كل شيء خلقه، وبدأ خلق الإنسان من
طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل لكم
السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون) السجدة: 4 ـ 9. ثم يرسل الله إليهم رسله
بالكتب، والبينات، والمعجزات، فيختار كثير منهم الكفر والجحود لأنهم لا يصدقون بإمكان بعث
الأجساد بعد موتها وانحلالها واختلاطها بالأرض (وقالوا: أإذا ضللنا في الأرض أننا لي
خلق جديد؟ بل هم بلقاء ربهم كافرون) السجدة: 10. ثم يصور الله الموت وما بعده
بالنسبة لهم فيقول: (قل: يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم، ثم إلى ربكم ترجعون ولو
ترى إذ المجرمون ناكسو رؤوسهم عند ربهم: ربنا أبصرنا وسمعنا فأرجعنا نعمل صالحاً إنا
موقنون) السجدة: 11 ـ 12. فعندئذ فحسب يستيقن الذي جحدوا في الدنيا بصحة ما
أتى به إليهم الدين. فيطالبون الرجوع إلى الدنيا ليؤمنوا، وذلك لن يكون. ويعقب الله
سبحانه وتعالى على ذلك كله بقوله: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها، ولكن حق القول مني
لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين) السجدة: 13. أي لو شئنا لأجبرنا الخلق على
الهداية، لكنا أردنا أن يكون منهم اختيار، وعلمنا أن منهم مَن يختار الكفر ومنهم مَن يختار
الإيمان.
فموجز التفسير الديني في هذه القضية ـ كما يستخلص من نصوص القرآن الكريم ـ أن الخالق
سبحانه وتعالى لو شاء لفطر الخلق جميعاً على طبيعة مؤمنة لا تتأثر بدواعي الجحود وليس معها
احتمال لكفر، ولو شاء لجعل معجزات الأنبياء ونصوص الدين في صورة تحمل ـ بذاتها ـ الالزام
واليقين إلى الناس جميعاً، بحيث تخضع أعناق الخلق لها، فلا يملك واد منهم أمامها تكذيباً أو
رفضاً. لكنه لو فعل ذلك لكان معناه (جرّ الخلق جميعاً على الإيمان) مما تنتفي معه عند
كل منهم أية خصوصية للنظر والاختيار بين الإيمان والكفر وبهذا الجبر الشامل للخلق جميعاً
تُلغي الخصوصيات الفردية، ومكونات الذات الخاصة التي هي مناط الحرية والاختيار. وإذا
آمن الناس جميعاً بهذا الإلزام الجبري فإن حكمة الله من خلق الكون وخلافة الإنسان في الأرض
لم تكن لتتحقق لأنه (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) المُلك: 2. وهذا
الابتلاء والتمايز في العمل يقتضي قسطاً من الحرية وخصوصية الذات في النظر والاخيار، مما
يتناقض معه جبر الخلق جميعاً على الإيمان بحكم طبيعة خلقهم، أو بآية تنزل عليهم من السماء
متضمنة إلزام الخلق جميعاً على الإيمان الجبري عبر عنه بخضوع الأعناق.
فالحاصل أن الله سبحانه وتعالى لا يُعصى ولا يُكفر به قسراً، لأنه لو شاء لما كفر به مخلوق،
إنما اقتضت مشيئته في الخلق أن يعطي لكل منهم شيئاً من خصوصية الذات في النظر والاختيار
حتى يكون للحساب معنى ومجال، ومن هنا لم يضمن آياته ـ في ذاتها ـ معنى الالزام القسري
لكل مَن تعرض عليه دون إفساح لخصوصية ذاته في النظر والاختيار.
ويضاف إلى ذلك أيضاً أن آيات القرآن الكريم تبين ـ في آيات متعددة ـ أنه رغم إفساح المجال

لخصوصية كل ذات في النظر في قضية الدين ـ فإن آيات الله ـ سواء في الطبيعة المادية أو في
النصوص الدينية ـ وإن لم تتضمن بذاتها ضرورة معنى الإلزام للخلق، إلا أنها آيات محكمة، من
شأنها أن الإنسان إذا جرد ذاته من هوى النفس الذي يميل إلى إسقاط التكاليف أو التخفف منها،
واتجه إلى البحث عن الحقيقة في ذاتها، مهما وافقت هوى النفس أو خالفته، فإنه لابدّ أن يفتي ـ
بنظره الخاص وحريته واختياره ـ إلى الإيمان بصدق الدين والوحي، لأن الله قد بثَّ في الكون ـ
وفي نفس الانسان ذاتها ـ ما يهديه إلى الحق واليقين إن طلبه بروح خالصة غير ملتبسة بهوى
النفس.
فنظرية القرآن في هذا المجال أن الله تعالى قد أنصف الإنسان حين أعطاه شيئاً من حريته
وخصوصية ذاته في النظر والاختيار حسب تكوينه الخاص، ثم أنصفه حين بث في نفسه وفي
كل مجالات الكون المخلوق دلائل واضحة على صدق الدين والوحي (سنريهم آياتنا في الآفاق
وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) فصلت: 53. فمن يتجه إليها بضمير مستقيم
يوجهه الله إلى اليقين، أما من يتجه ابتداء إلى طريق الجحود والإنكار، أو من لم يُعن أصلاً
بقضية الدين واستغرقته شهواته ومطالبه في الحياة الدنيا واكتفى بها، فسوف يجحد الطريق
ميسراً أيضاً للمضي فيما اختاره، ومن ثم ينبني على ذلك الحساب.

6 ـ وبعد، فسوف تظل قضايا الدين والوحي والقرآن والغيب مجالاً للنظر والبحث والدراسة
والجدل، وسوف يظل موقف الناس منها ـ كما كان دائماً ـ مختلفاً بين التصديق والتكذيب، واليقين
والجحود، والتوقف العاجز عن أي منهما، والانصراف عن الموضوع أصلاً بالاستغراق في
مطالب الحياة الدنيا المادية والصراع على وسائلها لكن الأمر الذي لا ريب فيه أنها ستظل قضية
حية ماثلة في ضمائر الخلق على نحو ما، أما المؤمنون فبحكم إيمانهم بها ومعايشتهم المتجددة
لها، وأما غيرهم فلأن واحداً من الناس، سواء كان جاحداً، أم متوقفاً أم منصرفاً جاحداً، لن
يستطيع أبداً ـ وهذا ما يبدو لنا حتى الآن ـ أن يجد أدلة يقينية على كذب قضية الدين والوحي.
وحتى بالنسبة لأولئك الذين يحاولون أن يتجاهلوها وينصرفوا عها بصورة نهائية، فسوف يظل
لهذه القضية ـ على الرغم من إراداتهم الواعية ـ وجود كامن في غور من أعماق وجودهم.
وربما كان ذلك الوجود الكامن أثراً للميثاق الأزلي الذي واثق الله الخلق جميعاً به قبل أن يوجدوا
في الحياة الدنيا، كما يقول تعالى: (وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم
على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى. شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا
غافلين) الأعراف: 172. وكثيراً ما تحدثنا وقائع الحياة عن أفراد استغرقتهم حياتهم
المادية، ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها وحصروا وجودهم وتفكيرهم وإرادتهم فيها، وظنوا
وقتاً ما أن قضية (الدين) لم تعد شيئاً مذكوراً بالنسبة لهم، ثم فجأهم بعد ذلك اكتشافهم ـ
بصورة أو بأخرى ـ . ذلك الوجدو الكامن الذي لم يمت قط رغم استتاره الطويل العميق في
غور مجهول من أعماق النفس، سوءا ملهم ذلك الاكتشاف المفاجئ على طر القضية على مجال
التفكير والنظر مرة أخرى، أو عاد إلى كونه القديم وغلبته الإرادة الواعية المتجهة بكليتها إلى
الحياة الدنيا وحدها.
وغاية ما يتبعه غير المؤمن بالدين إنما هو الشك في الصدق، القائم على ظنون وتفسيرات الكون
والحياة تخالف التفسير الديني، فهو يفسر نشأة الدين مثلاً بخوف الإنسان البدائي من ظواهر
الطبيعة التي لم يفهمها فهماً علمياً صحيحاً، ولم يرجعها إلى أسبابها المادية الحقيقية، بسبب عدم
توفر وسائل المعرفة التجريبية له عندئذ، مما حمله على الاعتقاد في أن هناك كائنات أعلى من
الإنسان متحكمة فيه، وفي هذه الظواهر التي هالته، ومن ثم يسعى إلى إرضائها بالقرابين
والصلوات والأدعية، التي تتطور بدورها ـ وبتدخل عوامل كثيرة ـ حتى تنتهي إلى الأديان
الأخيرة في تاريخ البشرية.

وهناك نظرية أخرى تقول إن نشأة الدين كانت رد فعل ضد هذا الخوف من ظواهر الطبيعة.
كما يقول الفيلسوف الفرنسي هنري برجسون Henri Bergson (1859 ـ
1941م):
«وثمة نظرية أصبت الآن قديمة، تقول إن الدين قد نشأ عن الخوف الذي تبعثه فينا الطبيعة في

مثل هذه الحالات: فالخوف أول مَن أوجد الآلهة في العالم. ومن الشطط في الواقع أن
رفض بعضهم هذه النظرية رفضاً تاماً. فمما لا شك فيه أن انفعال الإنسان بإزاء الطبيعة أصل
من أصول الأديان. ولكن نعود فنقول: إن الدين ليس خوفاً بقدر ما هو رد فعل ضد
الخوف، ولم يصبح إيماناً بآلهة فوراً» ومن ثم يقول إنه وجد أن أصل المعتقدات التي درسها
«إنما هو رد فعل دفاعي تقوم به الطبيعة محاربة لتثبيط مصدره العقل. ورد الفعل هذا يثير
في العقل ذاته صوراً وآراء تُفني التصور المثبط، أو تمنعه من أن يصير إلى فعل، فنرى كائنات
تنبثق، وليس من الضروري أن تكون شخصيات تامة، بل يكفي أن تكون لها نيات، بل أن تكون
هي نيات.
فالاعتقاد إذن يعني في جوهره الثقة، واصله الأول ليس هو الخوف، بل الأمان من الخوف».
لكن ذلك كله وما يماثله لا يعدو في الحقيقة باب الظن الذي لا يستطاع البرهنة عليه بصورة

يقينية مباشرة، كتلك التي يطلبها الباحث في العلم التجريبي، إنما هي ظنون وتفسيرات تعتمد ـ
بصورة أساسية ـ على التجميع العقلي المجرد لبعض الظواهر المرصودة، ومحاولة سلكها في
إطار عقلي منطقي موحد، لكن لا سبيل إلى البرهنة اليقينية عليه بصورة حاسمة. وإن لم يمنع
ذلك بالطبع من حماس بعض الناس له واعتقادهم الذاتي في صحته.
ومن ثم يبقى التفسير الديني للكون ـ كما هو في الكتب المقدمة عامة، وفي القرآن بصفة خاصة ـ
قائماً لم يُنقض لأن الاحتمال العقلي المجرد ـ بصرف النظر حتى عن الدواعي القوية للإيمان ـ
يتسع له، كما يتسع لتلك الظنون والتفسيرات المناقضة له، ومن ثم تبقى القضية قائمة وحية وماثلة
ـ كما كانت دائماً على مر العصور ـ ثم هي محتاجة إلى البحث والدراسة والحوار بين الآراء
والتفسيرات المتعارضة، كما كانت أيضاً على مر العصور.

صورة naaard

اللـــــــــــــــــــــهـ يعطيكـ العااااافيهـ

صورة ابن الفائق

المعتزلة






المعتزلة فرقة إسلامية نشأت في أواخر العصر الأموي وازدهرت في العصر العباسي، وقد اعتمدت على العقل المجرد في فهم العقيدة الإسلامية لتأثرها ببعض الفلسفات المستوردة مما أدى إلى انحرافها عن عقيدة أهل السنة والجماعة. وقد أطلق عليها أسماء مختلفة منها: المعتزلة والقدرية (*) والعدلية وأهل العدل والتوحيد والمقتصدة والوعيدية.

التأسيس وأبرز الشخصيات:
· اختلفت رؤية العلماء في ظهور الاعتزال، واتجهت هذه الرؤية وجهتين:
ـ الوجهة الأولى: أن الاعتزال حصل نتيجة النقاش في مسائل عقدية دينية كالحكم على مرتكب الكبيرة (*)، والحديث في القدر، بمعنى هل يقدر العبد على فعله أو لا يقدر، ومن رأي أصحاب هذا الاتجاه أن اسم المعتزلة أطلق عليهم لعدة أسباب:
1 ـ أنهم اعتزلوا المسلمين بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين
2 ـ أنهم عرفوا بالمعتزلة بعد أن اعتزل واصل بن عطاء حلقة الحسن البصري وشكل حقلة خاصة به لقوله بالمنزلة بين المنزلتين فقال الحسن: "اعتزلنا واصل".
3 ـ أو أنهم قالوا بوجوب اعتزال مرتكب الكبيرة ومقاطعته .

ـ والوجهة الثانية: أن الاعتزال نشأ بسبب سياسي حيث أن المعتزلة من شيعة علي رضي الله عنه اعتزلوا الحسن عندما تنازل لمعاوية، أو أنهم وقفوا موقف الحياد بين شيعة علي ومعاوية فاعتزلوا الفريقين.
· أما القاضي عبد الجبار الهمذاني ـ مؤرخ المعتزلة ـ فيزعم أن الاعتزال ليس مذهباً جديداً أو فرقة طارئة أو طائفة أو أمراً مستحدثاً، وإنما هو استمرار لما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته، وقد لحقهم هذا الاسم بسبب اعتزالهم الشر لقوله تعالى: (وأعتزلكم وما تدعون) ولقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (من اعتزل الشر سقط في الخير).

· والواقع أن نشأة الاعتزال كان ثمرة تطور تاريخي لمبادئ فكرية وعقدية وليدة النظر العقلي المجرد في النصوص الدينية وقد نتج ذلك عن التأثر بالفلسفة اليونانية والهندية والعقائد اليهودية والنصرانية لما سنرى في فقرة (الجذور الفكرية والعقائدية) .

· قبل بروز المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء، كان هناك جدل (*) ديني فكري بدأ بمقولات جدلية كانت هي الأسس الأولى للفكر المعتزلي وهذه المقولات نوجزها مع أصحابها بما يلي:
ـ مقولة أن الإنسان حر مختار بشكل مطلق، وهو الذي يخلق أفعاله بنفسه قالها: معبد الجهني، الذي خرج على عبد الملك بن مروان مع عبد الرحمن بن الأشعث .. وقد قتله الحجاج عام 80هـ بعد فشل الحركة .
ـ وكذلك قالها غيلان الدمشقي في عهد عمر بن عبد العزيز وقتله هشام بن عبد الملك .
ـ ومقولة خلق القرآن ونفي الصفات، قالها الجهم بن صفوان، وقد قتله سلم بن أحوز في مرو عام 128هـ .
ـ وممن قال بنفي الصفات أيضاً: الجعد بن درهم الذي قتله خالد بن عبد الله القسري والي الكوفة .
· ثم برزت المعتزلة كفرقة فكرية على يد واصل بن عطاء الغزال (80هـ ـ 131هـ) الذي كان تلميذاً للحسن البصري، ثم اعتزل حلقة الحسن بعد قوله بأن مرتكب الكبيرة (*) في منزلة بين المنزلتين (أي ليس مؤمناً ولا كافراً) وأنه مخلد في النار إذا لم يتب قبل الموت، وقد عاش في أيام عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك، والفرقة المعتزلية التي تنسب إليه تسمى: الواصيلة.
· ولاعتماد المعتزلة على العقل في فهم العقائد وتقصيهم لمسائل جزئية فقد انقسموا إلى طوائف مع اتفاقهم على المبادئ الرئيسة الخمسة ـ التي سنذكرها لاحقاً ـ وكل طائفة من هذه الطوائف جاءت ببدع جديدة تميزها عن الطائفة الأخرى .. وسمت نفسها باسم صاحبها الذي أخذت عنه .

· وفي العهد العباسي برز المعتزلة في عهد المأمون حيث اعتنق الاعتزال عن طريق بشر المريسي وثمامة بن أشرس وأحمد بن أبي دؤاد وهو أحد رؤوس بدعة الاعتزال في عصره ورأس فتنة خلق القرآن، وكان قاضياً للقضاة في عهد المعتصم.
ـ في فتنة خلق القرآن امتحن الإمام أحمد بن حنبل الذي رفض الرضوخ لأوامر المأمون والإقرار بهذه البدعة، فسجن وعذب وضرب بالسياط في عهد المعتصم بعد وفاة المأمون وبقي في السجن لمدة عامين ونصف ثم أعيد إلى منزله وبقي فيه طيلة خلافة المعتصم ثم ابنه الواثق .
ـ لما تولى المتوكل الخلافة عام 232هـ انتصر لأهل السنة (*) وأكرم الإمام أحمد وأنهى عهد سيطرة المعتزلة على الحكم ومحاولة فرض عقائدهم بالقوة خلال أربعة عشر عاماً .
· في عهد دولة بني بويه عام 334 هـ في بلاد فارس ـ وكانت دولة شيعية ـ توطدت العلاقة بين الشيعة (*) والمعتزلة وارتفع شأن الاعتزال أكثر في ظل هذه الدولة فعين القاضي عبد الجبار رأس المعتزلة في عصره قاضياً لقضاء الري عام 360هـ بأمر من الصاحب بن عباد وزير مؤيد الدولة البويهي ، وهو من الروافض (*) المعتزلة، يقول فيه الذهبي: " وكان شيعيًّا معتزليًّا مبتدعاً " ويقول المقريزي: " إن مذهب الاعتزال فشا تحت ظل الدولة البويهية في العراق وخراسان وما وراء النهر " . وممن برز في هذا العهد: الشريف المرتضى الذي قال عنه الذهبي: " وكان من الأذكياء والأولياء المتبحرين في الكلام والاعتزال والأدب والشعر لكنه إمامي جلد ".
· بعد ذلك كاد أن ينتهي الاعتزال كفكر مستقل إلا ما تبنته منه بعض الفرق كالشيعة وغيرهم .
· عاد فكر الاعتزال من جديد في الوقت الحاضر، على يد بعض الكتاب والمفكرين، الذين يمثلون المدرسة العقلانية الجديدة وهذا ما سنبسطه عند الحديث عن فكر الاعتزال الحديث .
· ومن أبرز مفكري المعتزلة منذ تأسيسها على يد واصل بن عطاء وحتى اندثارها وتحللها في المذاهب الأخرى كالشيعة والأشعرية والماتريدية ما يلي:

ـ أبو الهذيل حمدان بن الهذيل العلاف (135 ـ226 هـ) مولى عبد القيس وشيخ المعتزلة والمناظر عنها. أخذ الاعتزال عن عثمان بن خالد الطويل عن واصل بن عطاء، طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وخلط كلامهم بكلام المعتزلة، فقد تأثر بأرسطو وأنبادقليس من فلاسفة اليونان، وقال بأن " الله عالم بعلم وعلمه ذاته، وقادر بقدرة وقدرته ذاته … " انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ص 76 . وتسمى طائفة الهذيلية .

ـ إبراهيم بن يسار بن هانئ النظام (توفي سنة 231هـ) وكان في الأصل على دين البراهمة (*) وقد تأثر أيضاً بالفلسفة اليونانية مثل بقية المعتزلة .. وقال:بأن المتولدات من أفعال الله تعالى، وتسمى طائفته النظامية .

ـ بشر بن المعتمر (توفي سنة 226 هـ) وهو من علماء المعتزلة، وهو الذي أحدث القول بالتولد وأفرط فيه فقال: إن كل المتولدات من فعل الإنسان فهو يصح أن يفعل الألوان والطعوم والرؤية والروائح وتسمى طائفته البشرية.

ـ معمر بن عباد السلمي (توفي سنة 220 هـ) وهو من أعظم القدرية (*) فرية في تدقيق القول بنفي الصفات ونفي القدر (*) خيره وشره من الله وتسمى طائفته: المعمرية .

ـ عيسى بن صبيح المكنى بأبي موسى الملقب بالمردار (توفي سنة 226هـ) وكان يقال له: راهب المعتزلة، وقد عرف عنه التوسع في التكفير (*) حتى كفر الأمة بأسرها بما فيها المعتزلة، وتسمى طائفته المردارية .

ـ ثمامة بن أشرس النميري (توفي سنة 213هـ)، كان جامعاً بين قلة الدين وخلاعة النفس، مع اعتقاده بأن الفاسق يخلد في النار إذا مات على فسقه من غير توبة . وهو في حال حياته في منزلة بين المنزلتين . وكان زعيم القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق وقيل إنه الذي أغرى المأمون ودعاه إلى الاعتزال، وتسمى طائفته الثمامية .

ـ عمرو بن بحر: أبو عثمان الجاحظ (توفي سنة 256هـ) وهو من كبار كتاب المعتزلة، ومن المطلعين على كتب الفلاسفة، ونظراً لبلاغته في الكتابة الأدبية استطاع أن يدس أفكاره المعتزلية في كتاباته كما يدس السم في الدسم مثل، البيان والتبيين، وتسمى فرقته الجاحظية .

ـ أبو الحسين بن أبي عمر الخياط (توفي سنة 300هـ) من معتزلة بغداد و بدعته التي تفرد بها قوله بأن المعدوم جسم، والشيء المعدوم قبل وجوده جسم، وهو تصريح بقدم العالم، وهو بهذا يخالف جميع المعتزلة وتسمى فرقته الخياطية .

ـ القاضي عبد الجبار بن أحمد بن عبد الجبار الهمداني (توفي سنة 414هـ) فهو من متأخري المعتزلة، قاضي قضاة الري وأعمالها، وأعظم شيوخ المعتزلة في عصره، وقد أرخ للمعتزلة وقنن مبادئهم وأصولهم الفكرية والعقدية.



المبادئ والأفكار:

· جاءت المعتزلة في بدايتها بفكرتين مبتدعتين:
ـ الأولى:
القول بأن الإنسان مختار بشكل مطلق في كل ما يفعل، فهو يخلق أفعاله بنفسه، ولذلك كان التكليف، ومن أبرز من قال ذلك غيلان الدمشقي، الذي أخذ يدعو إلى مقولته هذه في عهد عمر بن عبد العزيز . حتى عهد هشام بن عبد الملك، فكانت نهايته أن قتله هشام بسبب ذلك .

ـ الثانية:
القول بأن مرتكب الكبيرة (*) ليس مؤمناً ولا كافراً ولكنه فاسق فهو بمنزلة بين المنزلتين، هذه حاله في الدنيا أما في الآخرة فهو لا يدخل الجنة لأنه لم يعمل بعمل أهل الجنة بل هو خالد مخلد في النار، ولا مانع عندهم من تسميته مسلماً باعتباره يظهر الإسلام وينطق بالشهادتين ولكنه لا يسمى مؤمناً.
· ثم حرر المعتزلة مذهبهم في خمسة أصول:
1 ـ التوحيد .
2 ـ العدل .
3 ـ الوعد والوعيد .
4 ـ المنزلة بين المنزلتين .
5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


1 ـ التوحيد:
وخلاصته برأيهم، هو أن الله تعالى منزه عن الشبيه والمماثل (ليس كمثله شيء) ولا ينازعه أحد في سلطانه ولا يجري عليه شيء مما يجري على الناس. وهذا حق ولكنهم بنوا عليه نتائج باطلة منها: استحالة رؤية الله تعالى لاقتضاء ذلك نفي الصفات، وأن الصفات ليست شيئاً غير الذات، وإلا تعدد القدماء في نظرهم، لذلك يعدون من نفاة الصفات وبنوا على ذلك أيضاَ أن القرآن مخلوق لله سبحانه وتعالى لنفيهم عنه سبحانه صفة الكلام.

2 ـ العدل:
ومعناه برأيهم أن الله لا يخلق أفعال العباد، ولا يحب الفساد، بل إن العباد يفعلون ما أمروا به وينتهون عما نهوا عنه بالقدرة التي جعلها الله لهم وركبها فيهم وأنه لم يأمر إلا بما أراد ولم ينه إلا عما كره، وأنه ولي كل حسنة أمر بها، بريء من كل سيئة نهى عنها، لم يكلفهم ما لا يطيقون ولا أراد منهم ما لا يقدرون عليه . وذلك لخلطهم بين إرادة الله تعالى الكونية (*) وإرادته الشرعية (*) .

3 ـ الوعد والوعيد:
ويعني أن يجازي الله المحسن إحساناً ويجازي المسيء سوءاً، ولا يغفر لمرتكب الكبيرة (*) إلا أن يتوب .

4 ـ المنزلة بين المنزلتين:
وتعني أن مرتكب الكبيرة في منزلة بين الإيمان والكفر فليس بمؤمن ولا كافر . وقد قرر هذا واصل بن عطاء شيخ المعتزلة .

5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
فقد قرروا وجوب ذلك على المؤمنين نشراً لدعوة الإسلام وهداية للضالين وإرشاداً للغاوين كل بما يستطيع: فذو البيان ببيانه، والعالم بعلمه، وذو السيف بسيفه وهكذا . ومن حقيقة هذا الأصل أنهم يقولون بوجوب الخروج على الحاكم إذا خالف وانحرف عن الحق .


· ومن مبادئ المعتزلة الاعتماد على العقل (*) كليًّا في الاستدلال لعقائدهم وكان من آثار اعتمادهم على العقل في معرفة حقائق الأشياء وإدراك العقائد، أنهم كانوا يحكمون بحسن الأشياء وقبحها عقلاً فقالوا كما جاء في الملل والنحل للشهرستاني: " المعارف كلها معقولة بالفعل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع أي قبل إرسال الرسل، والحسن والقبيح (*) صفتان ذاتيتان للحسن والقبيح " .
ـ ولاعتمادهم على العقل أيضاً أوَّلوا الصفات بما يلائم عقولهم الكلية، كصفات الاستواء واليد والعين وكذلك صفات المحبة والرضى والغضب والسخط ومن المعلوم أن المعتزلة تنفي كل الصفات لا أكثرها .
ـ ولاعتمادهم على العقل أيضاً، طعن كبراؤهم في أكابر الصحابة وشنعوا عليهم ورموهم بالكذب، فقد زعم واصل بن عطاء: أن إحدى الطائفتين يوم الجمل فاسقة، إما طائفة علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر والحسن والحسين وأبي أيوب الأنصاري أو طائفة عائشة والزبير، وردوا شهادة هؤلاء الصحابة فقالوا: لا تقبل شهادتهم .
ـ وسبب اختلاف المعتزلة فيما بينهم وتعدد طوائفهم هو اعتمادهم على العقل فقط ـ كما نوهنا ـ وإعراضهم عن النصوص الصحيحة من الكتاب والسنة، ورفضهم الإتباع بدون بحث واستقصاء وقاعدتهم التي يستندون إليها في ذلك:
" كل مكلف مطالب بما يؤديه إليه اجتهاده في أصول الدين "، فيكفي وفق مذهبهم أن يختلف التلميذ مع شيخه في مسألة ليكون هذا التلميذ صاحب فرقة قائمة، وما هذه الفرق التي عددناها آنفاً إلا نتيجة اختلاف تلاميذ مع شيوخهم، فأبو الهذيل العلاف له فرقة، خالفه تلميذه النظام فكانت له فرقة، فخالفه تلميذه الجاحظ فكانت له فرقة، والجبائي له فرقة، فخالفه ابنه أبو هاشم عبد السلام فكانت له فرقة أيضاَ وهكذا .
ـ وهكذا نجد أن المعتزلة قد حولوا الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية، وذلك لتأثرهم بالفلسفة (*) اليونانية عامة وبالمنطق (*) الصوري الأوسطي خاصة .
· وقد فند علماء الإسلام آراء المعتزلة في عصرهم، فمنهم أبو الحسن الأشعري الذي كان منهم، ثم خرج من فرقتهم ورد عليهم متبعاً أسلوبهم في الجدال (*) والحوار .. ثم جاء الإمام أحمد بن حنبل الذي اكتوى بنار فتنتهم المتعلقة بخلق القرآن ووقف في وجه هذه الفتنة بحزم وشجاعة نادرتين .
ـ ومن الردود قوية الحجة، بارعة الأسلوب، رد شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ عليهم في كتابه القيم: درء تعارض العقل والنقل فقد تتبع آراءهم وأفكارهم واحدة واحدة ورد عليها ردًّا مفحماً .. وبين أن صريح العقل لا يكمن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل .
· وقد ذُكر في هذا الحديث أكثر من مرة أن المعتزلة اعتمدوا على العقل (*) في تعاملهم مع نصوص الموحي (*)، وقد يتوهم أحد أن الإسلام ضد العقل ويسعى للحجر عليه . ولكن هذا يرده دعوة الإسلام إلى التفكر في خلق السموات والأرض والتركيز على استعمال العقل في اكتشاف الخير والشر وغير ذلك مما هو معروف ومشهور مما دعا العقاد إلى أن يؤلف كتاباً بعنوان: التفكر فريضة إسلامية، ولهذا فإن من انحرافات المعتزلة هو استعمالهم العقل في غير مجاله: في أمور غيبية مما تقع خارج الحس ولا يمكن محاكمتها محاكمة عقلية صحيحة، كما أنهم بنوا عدداً من القضايا على مقدمات معينة فكانت النتائج ليست صحيحة على إطلاقها وهو أمر لا يسلّم به دائماً حتى لو اتبعت نفس الأساليب التي استعملوها في الاستنباط والنظر العقلي: مثل نفيهم الصفات عن الله اعتماداً على قوله تعالى: (ليس كمثله شيء). وكان الصحيح أن لا تنفى عنه الصفات التي أثبتها لنفسه سبحانه وتعالى ولكن تفهم الآية على أن صفاته سبحانه وتعالى لا تماثل صفات المخلوقين.


وقد حدد العلماء مجال استعمال العقل بعدد من الضوابط منها:
ـ أن لا يتعارض مع النصوص الصحيحة .
ـ أن لا يكون استعمال العقل في القضايا الغيبية التي يعتبر الوحي هو المصدر الصحيح والوحيد لمعرفتها.
ـ أن يقدم النقل على العقل في الأمور التي لم تتضح حكمتها " وهو ما يعرف بالأمور التوقيفية".
ولا شك أن احترام الإسلام للعقل وتشجيعه للنظر والفكر لا يقدمه على النصوص الشرعية الصحيحة . خاصة أن العقول متغيرة وتختلف وتتأثر بمؤثرات كثيرة تجعلها لا تصلح لأن تكون الحكم المطلق في كل الأمور . ومن المعروف أن مصدر المعرفة في الفكر الإسلامي يتكون من:

1 ـ الحواس وما يقع في مجالها من الأمور الملموسة من الموجودات .
2 ـ العقل (*) وما يستطيع أن يصل إليه من خلال ما تسعفه به الحواس والمعلومات التي يمكن مشاهدتها واختبارها وما يلحق ذلك من عمليات عقلية تعتمد في جملتها على ثقافة الفرد ومجتمعه وغير ذلك من المؤثرات .
3 ـ الوحي (*) من كتاب وسنة حيث هو المصدر الوحيد والصحيح للأمور الغيبية، وما لا تستطيع أن تدركه الحواس، وما أعده الله في الدار الآخرة، وما أرسل من الرسل إلخ …
وهكذا يظهر أنه لا بد من تكامل العقل والنقل في التعامل مع النصوص الشرعية كل فيما يخصه وبالشروط التي حددها العلماء.


الجذور الفكرية والعقائدية:

· هناك رواية ترجع الفكر المعتزلي في نفي الصفات إلى أصول يهودية فلسفية فالجعد بن درهم أخذ فكره عن أبان بن سمعان وأخذها أبان عن طالوت وأخذها طالوت عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي.
وقيل: إن مناقشات الجهم بن صفوان مع فرقة السمنية ـ وهي فرقة هندية تؤمن بالتناسخ (*) ـ قد أدت إلى تشكيكه في دينه وابتداعه لنفي الصفات .
· إن فكر يوحنا الدمشقي وأقواله تعد مورداً من موارد الفكر الاعتزالي، إذ أنه كان يقول بالأصلح ونفي الصفات الأزلية حرية الإرادة الإنسانية .
ـ ونفي القدر عند المعتزلة الذي ظهر على يد الجهني وغيلان الدمشقي، قيل إنهما أخذاه عن نصراني يدعى أبو يونس سنسويه وقد أخذ عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء فكرة نفي القدر عن معبد الجهني .
ـ تأثر المعتزلة بفلاسفة (*) اليونان في موضوع الذات والصفات، فمن ذلك قول أنبادقليس الفيلسوف اليوناني: "إن الباري تعالى لم يزل هويته فقط وهو العلم المحض وهو الإرادة المحضة وهو الجود والعزة، والقدرة والعدل والخير والحق، لا أن هناك قوى مسماة بهذه الأسماء بل هي هو، وهو هذه كلها" انظر الملل والنحل ج 2/ ص58.
وكذلك قول أرسطوطاليس في بعض كتبه "إن الباري علم كله، قدره كله، حياة كله، بصر كله".
فأخذ العلاف وهو من شيوخ المعتزله هذه الأفكار وقال: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته، قادر بقدرة وقدرته ذاته، حي بحياة وحياته ذاته.
ـ وأخذ النظام من ملاحدة الفلاسفة قوله بإبطال الجزء الذي لا يتجرأ، ثم بنى عليه قوله بالطفرة، أي أن الجسم يمكن أن يكون في مكان (أ) ثم يصبح في مكان (ج) دون أن يمر في (ب) .
وهذا من عجائبه حتى قيل: إن من عجائب الدنيا: " طفرة النظام وكسب الأشعري " .
ـ وإن أحمد بن خابط والفضل الحدثي وهما من أصحاب النظام قد طالعا كتب الفلاسفة ومزجا الفكر الفلسفي مع الفكر النصراني مع الفكر الهندي وقالا بما يلي:
1 ـ إن المسيح (*) هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة.
2 ـ إن المسيح تدرع بالجسد الجسماني وهو الكلمة القديمة المتجسدة.
3 ـ القول بالتناسخ (*).
4 ـ حملا كل ما ورد في الخبر عن رؤية الله تعالى على رؤية العقل الأول هو أول مبتدع وهو العقل الفعال الذي منه تفيض الصور على الموجودات .
· يؤكد العلماء تأثير الفلسفة (*) اليونانية على فكر المعتزلة بما قام به الجاحظ وهو من مصنفي المعتزلة ومفكريهم فقد طالع كثيراً من كتب الفلاسفة وتمذهب بمذهبهم ـ حتى إنه خلط وروج كثيراً من مقالاتهم بعبارته البليغة .
ـ ومنهم من يرجع فكر المعتزلة إلى الجذور الفكرية والعقدية في العراق ـ حيث نشأ المعتزلة ـ الذي يسكنه عدة فرق تنتهي إلى طوائف مختلفة، فبعضهم ينتهي إلى الكلدان وبعضهم إلى الفرس وبعضهم نصارى وبعضهم يهود وبعضهم مجوس (*). وقد دخل هؤلاء في الإسلام وبعضهم قد فهمه على ضوء معلوماته القديمة وخلفيته الثقافية والدينية.




الفكر الاعتزالي الحديث:
· يحاول بعض الكتاب والمفكرين في الوقت الحاضر إحياء فكر المعتزلة من جديد بعد أن عفى عليه الزمن أو كاد .. فألبسوه ثوباً جديداً، وأطلقوا عليه أسماء جديدة مثل … العقلانية أو التنوير أو التجديد (*) أو التحرر الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي ..
ـ وقد قوّى هذه النزعة التأثر بالفكر الغربي العقلاني المادي، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وفق العقل (*) الإنساني .. فلجأوا إلى التأويل (*) كما لجأت المعتزلة من قبل ثم أخذوا يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصورهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم فأنكروا المعجزات (*) المادية .. وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بوباء الحصبة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل .. إلا من هذا القبيل .
· وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر .
· وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي .. محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة .. مثل عقوبة المرتد، وفرضية الجهاد (*)، والحدود، وغير ذلك .. فضلاً عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات، والطلاق والإرث .. إلخ .. وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في ذلك كله .. وتحكيم العقل في هذه المواضيع . ومن الواضح أن هذا العقل الذي يريدون تحكيمه هو عقل متأثر بما يقوله الفكر الغربي حول هذه القضايا في الوقت الحاضر .
· ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة المصرية وقاسم أمين مؤلف كتاب تحرير المرأة و المرأة الجديدة، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه: " أستاذ الجيل " وطه حسين الذي أسموه "عميد الأدب العربي " وهؤلاء كلهم أفضوا إلى ما قدموا . هذا في البلاد العربية .
أما في القارة الهندية فظهر السير أحمد خان، الذي منح لقب سير من قبل الاستعمار (*) البريطاني . وهو يرى أن القرآن الكريم لا السنة النبوية هو أساس التشريع وأحلّ الربا البسيط في المعاملات التجارية . ورفض عقوبة الرجم والحرابة، ونفى شرعية الجهاد لنشر الدين (*)، وهذا الأخير قال به لإرضاء الإنجليز لأنهم عانوا كثيراً من جهاد المسلمين الهنود لهم .
ـ وجاء تلميذه سيد أمير علي الذي أحلّ زواج المسلمة بالكتابي وأحل الاختلاط بين الرجل والمرأة .
ـ ومن هؤلاء أيضاً مفكرون علمانيون، لم يعرف عنهم الالتزام بالإسلام .. مثل زكي نجيب محمود صاحب (الوضعية المنطقية) وهي من الفلسفة (*) الوضعية الحديثة التي تنكر كل أمر غيبي .. فهو يزعم أن الاعتزال جزء من التراث ويجب أن نحييه، وعلى أبناء العصر أن يقفوا موقف المعتزلة من المشكلات القائمة (انظر كتاب تجديد الفكر العربي ص 123) .
ـ ومن هؤلاء أحمد أمين صاحب المؤلفات التاريخية والأدبية مثل فجر الإسلام وضحى الإسلام وظهر الإسلام، فهو يتباكى على موت المعتزلة في التاريخ القديم وكأن من مصلحة الإسلام بقاؤهم، ويقول في كتابه: ضحى الإسلام: " في رأيي أن من أكبر مصائب المسلمين موت المعتزلة " (ج3 ص207).
ـ ومن المعاصرين الأحياء الذين يسيرون في ركب الدعوة الإسلامية من ينادي بالمنهج (*) العقلي الاعتزالي في تطوير العقيدة والشريعة مثل الدكتور محمد فتحي عثمان في كتابه الفكر الإسلامي والتطور .. والدكتور حسن الترابي في دعوته إلى تجديد أصول الفقه حيث يقول: " إن إقامة أحكام الإسلام في عصرنا تحتاج إلى اجتهاد (*) عقلي كبير، وللعقل (*) سبيل إلى ذلك لا يسع عاقل إنكاره، والاجتهاد الذي نحتاج إليه ليس اجتهاداً في الفروع وحدها وإنما هو اجتهاد في الأصول أيضاً " (انظر كتاب المعتزلة بين القديم والحديث ص 138) .
ـ وهناك كتاب كثيرون معاصرون، ومفكرون إسلاميون يسيرون على المنهج نفسه ويدعون إلى أن يكون للعقل دور كبير في الاجتهاد (*) وتطويره، وتقييم الأحكام الشرعية، وحتى الحوادث التاريخية .. ومن هؤلاء فهمي هويدي ومحمد عمارة ـ صاحب النصيب الأكبر في إحياء تراث المعتزلة والدفاع عنه ـ وخالد محمد خالد و محمد سليم العوا، وغيرهم . ولا شك بأهمية الاجتهاد وتحكيم العقل في التعامل مع الشريعة الإسلامية (*) ولكن ينبغي أن يكون ذلك في إطار نصوصها الثابتة وبدوافع ذاتية وليس نتيجة ضغوط أجنبية وتأثيرات خارجية لا تقف عند حد، وإذا انجرف المسلمون في هذا الاتجاه ـ اتجاه ترويض الإسلام بمستجدات الحياة والتأثير الأجنبي بدلاً من ترويض كل ذلك لمنهج الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ـ فستصبح النتيجة أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ولا من الشريعة إلا رسمها ويحصل للإسلام ما حصل للرسالات السابقة التي حرفت بسبب إتباع الأهواء والآراء حتى أصبحت لا تمت إلى أصولها بأي صلة .


صورة عاشق انجوم

ابن الفائق

عاشت ايامك
وطول عمر م
ماقصرت ننتظرجديدك

شكراااااااااااااااااااااااااااااا

صورة ابن الفائق

الثقافة الاسلامية




يتكون موضوع الثقافة الإسلامية من عدة موضوعات فرعية ، سيتناول أولها مفهوم الثقافة الإسلامية ، وستكون نقطة البداية تعريف مفهوم الثقافة لغةً واصطلاحاً، ومن ثم ذكر تعريف جامع مانع للثقافة الإسلامية. أما ثاني الموضوعات فستطَّلع فيه على الأهداف التي من أجلها تُدْرَسُ الثقافة الإسلامية . وسيخصص ثالثها للحديث عن مصادر الثقافة الإسلامية الشرعية والمعرفية. أما الموضوع الرابع فستتعرف فيه على خصائص الثقافة الإسلامية ، وأول خصائصها : أنها ثقافة ربانية، وثانيها : ثباتها وعدم تغيرها، وثالثها : شمولها لجميع نواحي الحياة، ورابعها : إيجابيتها، وخامسها : واقعيتها، وسادسها : توازنها. وسيخصص الموضوع الخامس لتبيان بعض المفاهيم التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمفهوم الثقافة ، ومن بين هذه المفاهيم العلم ، والحضارة ، والمدنية، وسيكون الحديث عن الثقافة ودورها في بناء الفرد والمجتمع آخر ما يتم الحديث عنه في هذا الموضوع.





حصيلة التعليم

بعد دراستك لهذا الموضوع سيكون بمقدورك الآتي:

  • تعريف المراد بالثقافة لغة واصطلاحاً.
  • ذكر أهداف دراسة الثقافة الإسلامية
  • تبيان مصادر الثقافة الإسلامية الشرعية والمعرفية.
  • شرح الدور الذي لعبه كل مصدر من مصادر الثقافة الإسلامية في إثرائه
  • استيعاب خصائص الثقافة الإسلامية.
  • التمييز بين الثقافة وغيرها من المفاهيم المرتبطة بها ، مثل العلم ، والحضارة ، والمدنية.
  • التعرف على دور الثقافة في بناء الفرد والمجتمع.

١.١مفهوم الثقافة الإسلامية

كي يتسنى لك استيعاب المراد بمفهوم الثقافة الإسلامية لابد لك من الاطلاع على تعريف الثقافة في اللغة والاصطلاح، كي تتمكن من استيعاب تعريف الثقافة الإسلامية اصطلاحاً ، والعلاقة بين الثقافة وغيرها من المعارف.





١.١.١ تعريف الثقافة لغة واصطلاحاً

استعمل العرب مادة "ثقف" في عدة معانٍ ، منها ما هو معنوي ، مثل: الحذق، والفطنة، والذكاء، وسرعة التعلم، وضبط المعرفة، ومنها ما هو حسي ، مثل: تقويم الشيء المعوج، والتسوية، والظفر بالشيء والحصول عليه [URL=javascript:void(0);]١[/URL]
بناءً على ذلك سنصل إلى نتيجة مفادها أن الدلالات اللغوية لمصطلح الثقافة واسعة ومتنوعة، تتناول الجانب المعرفي ، والجانب السلوكي [URL=javascript:void(0);]٢[/URL]
أما عند الغرب فقد كانت دلالة الأصل اللاتيني لكلمة الثقافة مقصورة على تنمية الأرض ومحصولاتها، وفي أوائل العصور الحديثة بدأت الكلمة تستعمل بمدلوليها المادي الحسي والمعنوي العقلي [URL=javascript:void(0);]٣[/URL]
إذا أردنا أن نُعرِّف الثقافة في الاصطلاح فإن أنسب تعريف لها هو تعريف المجمع اللغوي الذي عرَّفَها بقوله: "جملة العلوم ، والمعارف ، والفنون التي يُطلبُ الحِذقُ فيها [URL=javascript:void(0);]٤[/URL] ".
٢.١.١ تعريف الثقافة الإسلامية اصطلاحاً
تعريفات الثقافة الإسلامية متعددة ، وهذا يرجع إلى عدة أسباب ، هي كالآتي :
  1. أن كلمة الثقافة ذات أبعاد كبيرة ، ودلالات واسعة.
  2. أن كلمة الثقافة من الألفاظ المعنوية التي يصعب تحديدها.
  3. أن كلمة الثقافة مصطلح حديث.
  4. تعدد اجتهادات العلماء والمفكرين حول هذا المصطلح.
وأقرب تعريف للثقافة الإسلامية هو: "معرفة مقومات الأمة الإسلامية العامة بتفاعلاتها في الماضي والحاضر، من دين، ولغة، وتاريخ، وحضارة، وقيم، وأهداف مشتركة بصورة واعية هادفة [URL=javascript:void(0);]٦[/URL] ".



٢.١ أهداف دراسة الثقافة الإسلامية

بعد أن تعرفتَ على تعريف الثقافة في اللغة والاصطلاح ، فضلاً عن تعريف الثقافة الإسلامية آن الآوان لتتعرف على أهداف دراسة الثقافة الإسلامية ، وهي كالآتي [URL=javascript:void(0);]٧[/URL] :
  1. التعريف بمفهوم الثقافة الإسلامية ومجالاتها وخصائصها ومصادرها وأصولها، كي يظهر لك الفرق بين الثقافة الإسلامية وغيرها من الثقافات.
  2. التعرف على أهم التحديات التي تواجه الثقافة الإسلامية، وتسليح أبناء الإسلام بالمعرفة للتعرف على جذور هذه التحديات، والإسهام في البحث عن حلول لمواجهة تلك التحديات.
  3. تكوين قدرة نقدية تتمكن من خلالها فرز عناصر الثقافة الأصيلة من الدخيلة، والسنة من البدعة، والإسلامي من الجاهلي.
  4. تكوين قدرة لديك للإسهام في التغيير الثقافي المنشود في جميع جوانب الحياة العملية.
  5. إبراز الثقافة الإسلامية وتقديمها كبديل إسلامي عن ثقافة العصر الغربية والأوروبية الوضعية.
  6. تنمية القدرة على فهم الثقافات الأخرى ووجوه التباين بينها وبين الثقافة الإسلامية، كي تكون قادراً على مواجهة التحديات المعاصرة وتكون ثابتاً أمام الاستهواء الثقافي.
  7. بيان العقيدة الإسلامية السوية، بمبادئها وتصوراتها الصحيحة، وترسيخ العقيدة في نفسك حتى تكون قادراً على مواجهة الأفكار العصرية والمذاهب الهدامة بوعي وثبات وإيمان.
  8. تنمية شعور الولاء للأمة الإسلامية، وتبصيرك بأهمية هذا الولاء حتى تعتز به وتشعر أن أمتك الإسلامية تقع في موضع الشهادة والإمامة.
  9. تجديد الصلة بالإسلام، عن طريق ترجمة أفكاره وتعاليمه، إلى قانون عملي وواقع سلوكي وأخلاقي، فقد جاء الإسلام ليكون عقيدة وشريعة ومنهجاً ونظام حياة متكامل.
  10. التعريف بالتصور الإسلامي الصحيح عن الخالق، والكون، والحياة، والإنسان.
  11. إبراز النظرة الشمولية للإسلام باعتباره ديناً مترابطاً متكاملاً لا ينفصل فيه أصل أو فرع عن آخر، والتخلص من النظرة الجزئية له التي تقصره على بعض جوانب الحياة.
  12. تجلية موقف الإسلام من قضايا العصر في مجالات العلوم النظرية والتطبيقية المختلفة، ونقدها من منظور إسلامي.
  13. تفنيد الفكرة الخاطئة التي تنسب انحطاط المسلمين إلى تمسكهم بالإسلام وبيان أن تخلف الشعوب الإسلامية كان بسبب تخليها عن مبادئ هذا الدين القويم.

صورة عزف الأمنيات

يعطيك العافية أخي ابن الفائق
مجهود طيب و رائع
منور القسم

صورة ابن الفائق

الأشاعرة






الأشاعرة : فرقة كلامية إسلامية، تنسب لأبي الحسن الأشعري الذي خرج على المعتزلة. وقد اتخذت الأشاعرة البراهين والدلائل العقلية والكلامية وسيلة في محاججة
خصومها من المعتزلة والفلاسفة وغيرهم، لإثبات حقائق الدين (*) والعقيدة الإسلامية على طريقة ابن كلاب.


التأسيس وأبرز الشخصيات:
· أبو الحسن الأشعري: هو أبو الحسن علي بن إسماعيل، من ذرية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ولد بالبصرة سنة 270هـ ومرت حياته الفكرية بثلاث
مراحل:

ـ المرحلة الأولى:
عاش فيها في كنف أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار
نائبه وموضع ثقته . ولم يزل أبو الحسن يتزعم المعتزلة أربعين سنة .

ـ المرحلة الثانية:
ثار فيه على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه، بعد أن اعتكف في بيته خمسة عشر
يوماً، يفكر ويدرس ويستخير الله تعالى حتى اطمأنت نفسه، وأعلن البراءة من الاعتزال
وخط لنفسه منهجاً جديداً يلجأ فيه إلى تأويل النصوص بما ظن أنه يتفق مع أحكام العقل
(*) وفيها اتبع طريقة عبد الله بن سعيد بن كلاب في إثبات الصفات السبع عن طريق
العقل: الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، أما الصفات الخبرية
كالوجه واليدين والقدم والساق فتأولها على ما ظن أنها تتفق مع أحكام العقل وهذه هي
المرحلة التي ما زال الأشاعرة عليها .

ـ المرحلة الثالثة:
إثبات الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف(*) ولا تشبيه(*) ولا
تعطيل(*) ولا تحريف(*) ولا تبديل ولا تمثيل، وفي هذه المرحلة كتب كتاب
الإبانة عن أصول الديانة الذي عبّر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم ، الذي كان
حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل. ولم يقتصر على ذلك بل خلّف مكتبة كبيرة في الدفاع
عن السنة وشرح العقيدة تقدّر بثمانية وستين مؤلفاً، توفي سنة 324هـ ودفن ببغداد ونودي
على جنازته: "اليوم مات ناصر السنة".

· بعد وفاة أبو الحسن الأشعري، وعلى يد أئمة المذهب(*) وواضعي أصوله
وأركانه، أخذ المذهب الأشعري أكثر من طور، تعددت فيها اجتهاداتهم ومناهجهم في
أصول المذهب وعقائده، و ما ذلك إلا لأن المذهب لم يبن في البداية على منهج مؤصل،
واضحة أصوله الاعتقادية، ولا كيفية التعامل مع النصوص الشرعية، بل تذبذبت مواقفهم
واجتهاداتهم بين موافقة مذهب السلف واستخدام علم الكلام لتأييد العقيدة والرد على
المعتزلة .


من أبرز مظاهر ذلك التطور:
ـ القرب من أهل الكلام والاعتزال .
ـ الدخول في التصوف، والتصاق المذهب الأشعري به .
ـ الدخول في الفلسفة (*) وجعلها جزء من المذهب .


· من أبرز أئمة المذهب:


ـ القاضي أبو بكر الباقلاني: (328ـ402هـ) (950ـ1013م)
هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر، من كبار علماء الكلام، هذَّب بحوث الأشعري،

وتكلَّم في مقدمات البراهين العقلية للتوحيد وغالى فيها كثيراً إذ لم ترد هذه المقدمات في
كتاب ولا سنة، ثم انتهى إلى مذهب السلف وأثبت جميع الصفات كالوجه واليدين على
الحقيقة وأبطل أصناف التأويلات التي يستعملها المؤولة وذلك في كتابه: تمهيد الأوائل
وتلخيص الدلائل . ولد في البصرة وسكن بغداد وتوفي فيها . وجهه عضد الدولة
سفيراً عنه إلى ملك الروم، فجرت له في القسطنطينية مناظرات مع علماء النصرانية بين
يدي ملكها . من كتبه: إعجاز القرآن، الإنصاف، مناقب الأئمة، دقائق الكلام، الملل
والنحل، الاستبصار، تمهيد الأوائل ، كشف أسرار الباطنية .

ـ أبو إسحاق الشيرازي: (293ـ476هـ) (1003ـ1083م) .
وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروز أبادي الشيرازي، العلامة المناظر، ولد في فيروز

أباد بفارس وانتقل إلى شيراز، ثم البصرة ومنها إلى بغداد سنة (415هـ) . وظهر
نبوغه في الفقه الشافعي وعلم الكلام(*)، فكان مرجعاً للطلاب ومفتياً للأمة في
عصره، وقد اشتهر بقوة الحجة في الجدل(*) والمناظرة . بنى له الوزير نظام
الملك: المدرسة النظامية على شاطئ دجلة، فكان يدرس فيها ويديرها .
من مصنفاته: التنبيه والمهذَّب في الفقه، والتبصرة في أصول الشافعية، وطبقات
الفقهاء، واللمع في أصول الفقه وشرحه، والملخص، والمعونة في الجدل .

· أبو حامد الغزالي: (450ـ505هـ) (1058ـ1111م)
وهو محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، ولد في الطابران، قصبة طوس خراسان

وتُوفِّي بها . رحل إلى نيسابور ثم إلى بغداد، فالحجاز، فبلاد الشام، فمصر ثم عاد إلى
بلدته .
لم يسلك الغزالي مسلك الباقلاني، بل خالف الأشعري في بعض الآراء وخاصة فيما يتعلق
بالمقدمات العقلية في الاستدلال، وذم علم الكلام وبيَّن أن أدلته لا تفيد اليقين كما في كتبه
المنقذ من الضلال، وكتاب التفرقة بين الإيمان والزندقة (*)، وحرم الخوض فيه فقال:
" لو تركنا المداهنة لصرحنا بأن الخوض في هذا العلم حرام " . اتجه نحو
التصوف، واعتقد أنه الطريق الوحيد للمعرفة .. وعاد في آخر حياته إلى السنة من
خلال دراسة صحيح البخاري .

· أبو إسحاق الإسفراييني: (ت418هـ) (1027م)
وهو إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران، أبو إسحاق عالم بالفقه والأصول وكان يلقب

بركن الدين وهو أول من لقب به من الفقهاء . نشأ في إسفرايين (بين نيسابور
وجرجان) ثم خرج إلى نيسابور وبنيت له مدرسة عظيمة فدرس فيها، ورحل إلى
خراسان وبعض أنحاء العراق، فاشتهر في العالم الإسلامي . ألَّف في علم الكلام
(*) كتابه الكبير، الذي سماه الجامع في أصول الدين والرد على الملحدين . قال
ابن خلكان: رأيته في خمسة مجلدات . توفي أبو إسحاق الإسفراييني في يوم
عاشوراء سنة عشرة وأربعمائة بنيسابور ثم نقل إلى إسفرايين ودفن بها وكان قد نيف على
الثمانين .

· إمام الحرمين أبو المعالي الجويني: (419ـ478هـ) (1028ـ1085م)
وهو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني، الفقيه الشافعي ولد في بلد جوين

(من نواحي نيسابور) ثم رحل إلى بغداد، فمكة حيث جاور فيها أربع سنين، وذهب إلى
المدينة المنورة فأفتى ودرّس . ثم عاد إلى نيسابور فبنى له فيها الوزير نظام الملك
المدرسة النظامية، وكان يحضر دروسه أكابر العلماء . وبقي على ذلك قريباً من ثلاثين
سنة غير مزاحم ولا مدافع، ودافع فيها عن الأشعرية فشاع ذكره في الآفاق، إلا أنه في
نهاية حياته رجع إلى مذهب السلف . وقد قال في رسالته: النظامية والذي نرتضيه
رأياً وندين الله به عقيدة إتباع سلف الأمة للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة …
ويعضد ذلك ما ذهب إليه في كتابه غياث الأمم في التياث الظلم، فبالرغم من أن الكتاب
مخصص لعرض الفقه السياسي الإسلامي فقد قال فيه:" والذي أذكره الآن لائقاً
بمقصود هذا الكتاب، أن الذي يحرص الإمام عليه جمع عامة الخلق على مذاهب السلف
السابقين، قبل أن نبغت الأهواء وزاغت الآراء وكانوا رضي الله عنهم ينهون عن
التعرض للغوامض والتعمق في المشكلات … " .
ـ نقل القرطبي في شرح مسلم أن الجويني كان يقول لأصحابه: "يا أصحابنا لا تشتغلوا
بالكلام، فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي ما بلغ ما تشاغلت به" . توفي رحمه الله
بنيسابور وكان تلامذته يومئذ أربعمائة . ومن مصنفاته : العقيدة النظامية في الأركان
الإسلامية، البرهان في أصول الفقه، ونهاية المطلب في دراية المذهب في فقه الشافعية،
والشامل في أصول الدين .

· الفخر الرازي (544هـ ـ 1150م) (606هـ ـ 1210م)
هو أبو عبد الله محمد بن عمر الحسن بن الحسين التيمي الطبرستاني الرازي المولد،

الملقب فخر الدين المعروف بابن الخطيب الفقيه الشافعي قال عنه صاحب وفيات الأعيان
" إنه فريد عصره ونسيج وحده، فاق أهل زمانه في علم الكلام (*)، والمعقولات "
أهـ، وهو المعبر عن المذهب (*) الأشعري في مرحلته الأخيرة حيث خلط الكلام
بالفلسفة (*)، بالإضافة إلى أنه صاحب القاعدة الكلية التي انتصر فيها للعقل وقدمه
على الأدلة الشرعية . قال فيه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان: (4/426 ـ
429): " كان له تشكيكات على مسائل من دعائم الدين تورث الحيرة، وكان يورد
شبه الخصوم بدقة ثم يورد مذهب أهل السنة على غاية من الوهن " إلا أنه أدرك عجز
العقل (*) فأوصى وصية تدل على حسن اعتقاده . فقد نبه في أواخر عمره إلى
ضرورة إتباع منهج (*) السلف، وأعلن أنه أسلم المناهج بعد أن دار دورته في
طريق علم الكلام (*) فقال: " لقد تأملت الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية
رأيتها لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق، طريقة القرآن، أقرأ في
الإثبات (الرحمن على العرش استوى) و (إليه يصعد الكلم الطيب و العمل الصالح
يرفعه)، و أقرأ في النفي (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) و (ولا يحيطون به
علماً)، ثم قال في حسرة وندامة: "ومن جرب تجربتي عرف معرفتي " أهـ .
(الحموية الكبرى لابن تيمية) .
من أشهر كتبه في علم الكلام: أساس التقديس في علم الكلام، شرح قسم الإلهيات من
إشارات ابن سينا، واللوامع البينات في شرح أسماء الله تعالى والصفات، البيان والبرهان
في الرد على أهل الزيغ والضلال، كافية العقول.




الأفكار والمعتقدات:
· مصدر التلقي عند الأشاعرة: الكتاب والسنة على مقتضى قواعد علم الكلام *

ولذلك فإنهم يقدمون العقل على النقل عند التعارض، صرح بذلك الرازي في القانون الكلي
للمذهب في أساس التقديس والآمدي وابن فورك وغيرهم .
ـ عدم الأخذ بأحاديث الآحاد(*) في العقيدة لأنها لا تفيد العلم اليقيني ولا مانع من
الاحتجاج بها في مسائل السمعيات أو فيما لا يعارض القانون العقلي. والمتواتر(*)
منها يجب تأويله، ولا يخفى مخالفة هذا لما كان عليه السلف الصالح من أصحاب القرون
المفضلة ومن سار على نهجهم حيث كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسل الرسل فرادى
لتبليغ الإسلام كما أرسل معاذاً إلى أهل اليمن، ولقوله صلى الله عليه وسلم : "نضر
الله امرءاً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها كما سمعها … " الحديث، وحديث
تحويل القبلة وغير ذلك من الأدلة .
ـ مذهب طائفة منهم وهم: صوفيتهم كالغزالي والجامي في مصدر التلقي، تقديم
الكشف(*) والذوق على النص، وتأويل النص ليوافقه . ويسمون هذا "العلم
اللدني" جرياً على قاعدة الصوفية "حدثني قلبي عن ربي" . وكما وضح ذلك في
الرسالة اللدنية 1/114ـ118 من مجموعة القصور العوالي، وكبرى اليقينيات لمحمد
سعيد رمضان البوطي، الإهداء ـ 32ـ35 . ولا يخفى ما في هذا من البطلان
والمخالفة لمنهج (*) أهل السنة والجماعة (*) وإلا فما الفائدة من إرسال الرسل
وإنزال الكتب .

· يقسم الأشاعرة أصول العقيدة بحسب مصدر التلقي إلى ثلاثة أقسام:
ـ قسم مصدره العقل(*) وحده وهو معظم الأبواب ومنه باب الصفات ولهذا يسمون
الصفات التي تثبت بالعقل " عقلية " وهذا القسم يحكم العقل بوجوبه دون توقف على
الوحي (*) عندهم . أما ما عدا ذلك من صفات خبرية دل الكتاب والسنة عليها
فإنهم يؤولونها .
ـ قسم مصدره العقل والنقل معاً كالرؤية ـ على خلاف بينهم فيها .
ـ قسم مصدره النقل وحده وهو السمعيات ذات المغيبات من أمور الآخرة كعذاب القبر
والصراط والميزان وهو مما لا يحكم العقل باستحالته، فالحاصل أنهم في صفات الله
جعلوا العقل حاكماً، وفي إثبات الآخرة جعلوا العقل عاطلاً، وفي الرؤية جعلوه مساوياً.
أما في مذهب أهل السنة والجماعة فلا منافاة بين العقل والنقل أصلاً ولا تقديم للعقل في
جانب وإهماله في جانب آخر وإنما يُبدأ بتقديم النقل على العقل .
· خالف الأشاعرة مذهب السلف في إثبات وجود الله تعالى، ووافقوا الفلاسفة
والمتكلمين في الاستدلال على وجود الله تعالى بقولهم: إن الكون حادث ولا بد له من
محدث قديم وأخص صفات القديم مخالفته للحوادث وعدم حلوله فيها . ومن مخالفته
للحوادث إثبات أنه ليس بجوهر ولا جسمٍ ولا في جهة ولا في مكان . وقد رتبوا على
ذلك من الأصول الفاسدة ما لا يدخل تحت حصر مثل: إنكارهم صفات الرضا
والغضب والاستواء بشبهة نفي حلول الحوادث في القديم من أجل الرد على القائلين بقدم
العالم، بينما طريقة السلف هي طريقة القرآن الكريم في الاستدلال على وجود الخالق
سبحانه وتعالى .
· التوحيد عند الأشاعرة هو نفي التثنية والتعدد بالذات ونفي التبعيض والتركيب
والتجزئة أي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة . وفي ذلك يقولون: إن الله واحد في
ذاته لا قسيم له، واحد في صفاته لا شبيه له، واحد في أفعاله لا شريك له . ولذلك فسروا
الإله (*) بأنه الخالق أو القادر على الاختراع، و أنكروا صفات الوجه واليدين والعين
لأنها تدل على التركيب والأجزاء عندهم. وفي هذا مخالفة كبيرة لمفهوم التوحيد عند
أهل السنة والجماعة (*) من سلف الأمة ومن تبعهم ـ، وبذلك جعل الأشاعرة التوحيد
هو إثبات ربوبية الله عز وجل دون ألوهيته .
وهكذا خالف الأشاعرة أهل السنة والجماعة في معنى التوحيد حيث يعتقد أهل السنة
والجماعة أن التوحيد هو أول واجب على العبيد إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه
وصفاته على نحو ما أثبته تعالى لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم ، ونفي ما
نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف (*) أو
تعطيل (*) أو تكييف أو تمثيل .
ـ إن أول واجب عند الأشاعرة إذا بلغ الإنسان سن التكليف هو النظر أو القصد إلى النظر
ثم الإيمان، ولا تكفي المعرفة الفطرية ثم اختلفوا فيمن آمن بغير ذلك بين تعصيته و تكفيره
..
بينما يعتقد أهل السنة والجماعة أن أول واجب على المكلفين هو عبادة الله عز وجل وحده
لا شريك له، توحيد الألوهية بدليل الكتاب والسنة والإجماع (*)، وأن معرفة الله تعالى
أمر فطري مركوز في النفوس .
ـ يعتقد الأشاعرة تأويل الصفات الخبرية كالوجه واليدين والعين واليمين والقدم والأصابع
وكذلك صفتي العلو والاستواء . وقد ذهب المتأخرون منهم إلى تفويض معانيها إلى الله
تعالى على أن ذلك واجب يقتضيه التنزيه، ولم يقتصروا على تأويل آيات الصفات بل
توسعوا في باب التأويل (*) حيث شمل أكثر نصوص الإيمان، خاصة فيما يتعلق
بإثبات الزيادة والنقصان، وكذلك موضوع عصمة الأنبياء . أما مذهب السلف فإنهم
يثبتون النصوص الشرعية دون تأويل معنى النص ـ بمعنى تحريفه ـ أو تفويضه (*)،
سواءً كان في نصوص الصفات أو غيرها .
· الأشاعرة في الإيمان بين: المرجئة (*) التي تقول يكفي النطق بالشهادتين
دون العمل لصحة الإيمان، وبين الجهمية (*) التي تقول يكفي التصديق القلبي .
ورجح الشيخ حسن أيوب من المعاصرين أن المصدق بقلبه ناجٍ عند الله وإن لم ينطق
بالشهادتين، (تبسيط العقائد الإسلامية 29ـ32) . و مال إليه البوطي و (كبرى
اليقينيات 196) . وفي هذا مخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون إن
الإيمان قول وعمل واعتقاد، ومخالفة لنصوص القرآن الكريم الكثيرة منها: (أم حسب
الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواءً محياهم و مماتهم
ساء ما يحكمون) [الجاثية:21]. عليه يكون إبليس من الناجين من النار لأنه من
المصدقين بقلوبهم، وكذلك أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن هناك داع
لحرص النبي صلى الله عليه وسلم على قوله لا إله إلا الله محمد رسول الله وغير ذلك
كثير .
· الأشاعرة مضطربون في قضية التكفير (*) فتارة يقولون لا نكفر أحداً، وتارة
يقولون لا نكفر إلا من كفرنا، وتارة يقولون بأمور توجب التفسيق و التبديع أو بأمور لا
توجب التفسيق والتبديع، فمثلاً يكفرون من يثبت علو الله الذاتي أو من يأخذ بظواهر
النصوص حيث يقولون: إن الأخذ بظواهر النصوص من أصول الكفر .
أما أهل السنة والجماعة (*) فيرون أن التكفير حق لله تعالى لا يطلق إلا على من
يستحقه شرعاً،ولا تردد في إطلاقه على من ثبت كفره بإثبات شروط وانتفاء موانع 0
· قولهم بأن القرآن ليس كلام الله على الحقيقة ولكنه كلام الله النفسي وأن الكتب بما
فيها القرآن مخلوقة . يقول صاحب الجوهرة: " يمتنع أن يقال إن القرآن مخلوق
إلا في مقام التعليم " وذلك في محاولة لم يحالفها النجاح للتوفيق بين أهل السنة
والجماعة (*) والمعتزلة .أما مذهب أهل السنة والجماعة فهو: أن القرآن كلام
الله غير مخلوق وأنه تعالى يتكلم بكلام مسموع تسمعه الملائكة وسمعه جبريل و سمعه
موسى ـ عليه السلام ـ ويسمعه الخلائق يوم القيامة . يقول تعالى: (وإن أحدٌ من
المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله).
· والإيمان والطاعة بتوفيق الله، والكفر (*) والمعصية بخذلانه ، والتوفيق عند
الأشعري، خلق القدرة على الطاعة، والخذلان عنده: خلق القدرة على المعصية، وعند
بعض أصحاب الأشعري، تيسير أسباب الخير هو التوفيق وضده الخذلان .
· كل موجود يصح أن يرى، والله موجود يصح أن يُرى، وقد ورد في القرآن أن
المؤمنين يرونه في الآخرة، قال تعالى: (وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة)
[القيامة:22]. ولكن يرى الأشاعرة أنه لا يجوز أن تتعلق به الرؤية على جهة
ومكان وصورة ومقابلة واتصال شعاع فإن كل ذلك مستحيل ! وفي ذلك نفي لعلو الله
تعالى والجهة بل ونفي للرؤية نفسها . ويقترب الرازي كثيراً من قول المعتزلة في
تفسيره للرؤية بأنها مزيد من الانكشاف العلمي .
· حصر الأشاعرة دلائل النبوة (*) بالمعجزات (*) التي هي الخوارق،
موافقة للمعتزلة وإن اختلفوا معهم في كيفية دلالتها على صدق النبي صلى الله عليه وسلم
بينما يرى جمهور أهل السنة أن دلائل ثبوت النبوة (*) للأنبياء كثيرة ومنها
المعجزات .
· صاحب الكبيرة (*) إذا خرج من الدنيا بغير توبة حكمه إلى الله تعالى، إما أن
يغفر له برحمته، وإما أن يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم، موافقة لمذهب (*)
أهل السنة والجماعة (*) .
· يعتقد الأشاعرة أن قدرة العبد لا تأثير لها في حدوث مقدورها ولا في صفة من
صفاته، وأن الله تعالى أجرى العادة بخلق مقدورها مقارناً لها، فيكون الفعل خلقاً من الله
وكسباً من العبد لوقوعه مقارناً لقدرته . ولقد عدَّ المحققون " الكسب " هذا من
محالات الكلام وضربوا له المثل في الخفاء والغموض، فقالوا: " أخفى من كسب
الأشعري "، وقد خرج إمام الحرمين وهو من تلاميذ الأشعري عن هذا الرأي، وقال بقول
أهل السنة والجماعة بل والأشعري نفسه في كتاب الإبانة رجع عن هذا الرأي .
· قالوا بنفي الحكمة والتعليل في أفعال الله مطلقاً، ولكنهم قالوا إن الله يجعل لكل نبي
معجزة لأجل إثبات صدق النبي صلى الله عليه وسلم فتناقضوا في ذلك بين ما يسمونه نفي
الحكمة والغرض وبين إثبات الله للرسول(*) المعجزة تفريقاً بينه وبين المتنبئ .
· وافق الأشاعرة أهل السنة والجماعة في الإيمان بأحوال البرزخ، وأمور الآخرة من:
الحشر والنشر، والميزان، والصراط، والشفاعة والجنة والنار، لأنها من الأمور الممكنة
التي أقر بها الصادق صلى الله عليه وسلم، وأيدتها نصوص الكتاب والسنة، وبذلك جعلوها
من النصوص السمعية .
· كما وافقوهم في القول في الصحابة على ترتيب خلافتهم، وأن ما وقع بينهم كان خطأ
وعن اجتهاد منهم، ولذا يجب الكف عن الطعن فيهم، لأن الطعن فيهم إما كفر، أو بدعة، أو
فسق، كما يرون الخلافة في قريش، وتجوز الصلاة خلف كل برٍ وفاجر، ولا يجوز
الخروج على أئمة الجور . بالإضافة إلى موافقة أهل السنة في أمور العبادات
والمعاملات .
· فضلاً عن تصدي الأشعري للمعتزلة ومحاجتهم بنفس أسلوبهم الكلامي ليقطع
شبهاتهم ويرد حجتهم عليهم، تصدى أيضاً للرد على الفلاسفة والقرامطة والباطنية
(*)، والروافض (*) وغيرهم من أهل الأهواء الفاسدة والنحل الباطلة .
· والأشعري في كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي هو آخر ما ألَّف من الكتب على
أصح الأقوال (1)، رجع عن كثير من آرائه الكلامية إلى طريق السلف في الإثبات
وعدم التأويل .. يقول رحمه الله:" وقولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها
التمسك بكتاب ربنا عز وجل وبسنة نبينا عليه السلام، وما روي عن الصحابة والتابعين
وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن
حنبل ـ نضر الله وجهه، ورفع درجته، وأجزل مثوبته ـ قائلون، ولما خالف قوله مخالفون،
لأنه الإمام الفاضل والرئيس الكامل الذي أبان الله به الحق، ورفع به ضلال الشاكِّين،
فرحمة الله عليه من إمام مقدَّم وجليل معظَّم وكبير مفخَّم ".
· إن مدرسة الأشعرية الفكرية لا تزال مهيمنة على الحياة الدينية في العالم الإسلامي،
ولكنها كما يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: " فقدت حيويتها ونشاطها الفكري،
وضعف إنتاجها في الزمن الأخير ضعفاً شديداً وبدت فيها آثار الهرم والإعياء ". لماذا
؟
ـ لأن التقليد طغى على تلاميذ هذه المدرسة وأصبح علم الكلام (*) لديهم علماً متناقلاً
بدون تجديد في الأسلوب .
ـ لإدخال مصطلحات الفلسفة (*) وأسلوبها في الاستدلال في علم الكلام .. فكان
لهذا أثر سيئ في الفكر الإسلامي، لأن هذا الأسلوب لا يفيد العلم القطعي .. ولهذا لم
يتمثل الأشاعرة بعد ذلك مذهب أهل السنة والجماعة (*) ومسلك السلف، تمثُّلاً
صحيحاً، لتأثرهم بالفلاسفة وإن هم أنكروا ذلك .. حتى الغزالي نفسه الذي حارب
الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة يقول عنه تلميذه القاضي ابن العربي: " شيخنا أبو
حامد دخل في بطون الفلاسفة، ثم أراد أن يخرج منهم فما قدر".
ـ تصدي شيخ الإسلام ابن تيمية لجميع المذاهب الإسلامية التي انحرفت عن الكتاب
والسنة ـ ومنهم الأشاعرة وبخاصة المتأخرة منهم ـ في كتابه القيم: درء تعارض العقل
والنقل وفنَّد آراءهم الكلامية، وبيَّن أخطاءهم وأكَّد أن أسلوب القرآن والسنة هو الأسلوب
اليقيني للوصول إلى حقيقة التوحيد والصفات وغير ذلك من أمور العقيدة .

الجذور الفكرية والعقائدية:
· كما رأينا في آراء أبي الحسن الأشعري في مرحلته الثانية أن العقيدة الإسلامية، كما
هي في الكتاب والسنة وعلى منهج(*) ابن كلاب هي الأساس في آرائه الكلامية وفي
ما يتفق مع أحكام العقل(*) .

· تأثر أئمة المذهب بعد أبي الحسن الأشعري ببعض أفكار ومعتقدات:
الجهمية(*) من الإرجاء(*) والتعطيل(*)، وكذلك بالمعتزلة والفلاسفة في
نفي بعض الصفات وتحريف(*) نصوصها، ونفي العلو والصفات الخبرية كما تأثرو
بالجبرية في مسألة القدر(*).

· لا ينفي ذلك تأثرهم بعقيدة أهل السنة والجماعة (*) فيما وافقوهم فيها .

الانتشار ومواقع النفوذ:
انتشر المذهب (*) الأشعري في عهد وزارة نظام الملك الذي كان أشعريِّ العقيدة،
وصاحب الكلمة النافذة في الإمبراطورية السلجوقية، ولذلك أصبحت العقيدة الأشعرية
عقيدة شبه رسمية تتمتع بحماية الدولة .
وزاد في انتشارها وقوتها مدرسة بغداد النظامية، ومدرسة نيسابور النظامية، وكان يقوم
عليهما رواد المذهب الأشعري، وكانت المدرسة النظامية في بغداد أكبر جامعة إسلامية
في العالم الإسلامي وقتها، كما تبنى المذهب وعمل على نشره المهدي بن تومرت مهدي
الموحدين، ونور الدين محمود زنكي، والسلطان صلاح الدين الأيوبي، بالإضافة إلى
اعتماد جمهرة من العلماء عليه، وبخاصة فقهاء الشافعية والمالكية المتأخرين . ولذلك
انتشر المذهب في العالم الإسلامي كله، لا زال المذهب الأشعري سائداً في أكثر البلاد
الإسلامية وله جامعاته ومعاهده المتعددة .

صورة القلب الكبير

مشكور عزيزي على الموضوع وعلى المجهودات ربنا يحفضك ويحميك

يعطيك العافية
كل الشكروالتقدير لك....

[i]
دائمآ مبدع اخي العزيز ..

سلمت يداك فيما طرحت ,,

بأنتظار جديدك الأجمل ,,

اعطر تحيه لشخصك ..
[/i]

مشكوررررررررررررر

صورة ذكوري

الله يعطيك العافيه

صورة دموع المزن

يعطيك العافية
لا خلا ولا عدم

صورة Abdelhalim Bend

مشكوووووور والله يعطيك الف عافية

موضوعك جميل فعلا ونرجو منك المزيد

صورة دموع المزن

يعطيك العافية
لا خلا ولا عدم

شكرا جزيلا الف الف شكر وتقدير

صورة ابن الفائق

العلم والدين.. تآلف أم تخالف

د. عدنان محمد فقيه





كثيراً ما يطرح هذا التساؤل من قبل المهتمين بالعالَمين عالَم العلم وعالَم الدين ومن الطبيعي أن تختلف الأجوبة عنه باختلاف الناس وتنوع مشاربهم. فعندما نتحدث عن الدين فإن التناقضات هائلة الموجودة في إفهام الناس وتصوراتهم عن حقيقته تجعل من الصعب تصور أن تكون الإجابة عن هذا السؤال واحدة عند الجميع. فضلاً عن ذلك فإن مفهوم الناس عن ما هو علمي وما هو غير علمي قضية محل اختلاف أيضاً. وكذلك دور العلم ونوع المعرفة التي يقدمها للإنسانية محل جدال ونزاع عند العلماء والفلاسفة. فالسؤال التالي الذي يطرح نفسه مباشرة عقب التساؤل عن موقف الدين من العلم وموقف العلم من الدين هو أي دين نعني أو أي علم نريد؟ وحيث إنه من المؤكد أن الاختلاف حول حقيقة الدين هو أكبر وأوسع بكثير منه حول حقيقة العلم، فإنه يمكن أن نتجاوز مسألة الاختلاف حول كنة المعرفة التي يقدمها العلم مؤقتاً لنطرح التساؤل من جديد.. ما هي طبيعة العلاقة بين الدين والعلم بوصفهما مصدرين من مصادر المعرفة عند الإنسان؟ هل هي علاقة تعاضدية أم تصادمية؟
في شهر يونيه الماضي اجتمع في جامعة بيركلي الأمريكية مل يقارب الثلاثين من العلماء المتخصصين مع حضور ما جاوز الثلاثمائة من الإعلاميين والصحفيين وغيرهم، وكان من بين العلماء المشاركين في متخصصون مجالات مختلفة مثل الفيزياء والفلك والكيمياء والأحياء والكمبيوتر وغيرها من التخصصات الدقيقة الأخرى، وحائزون على جائزة نوبل في بعض المجالات العلمية، اجتمعوا ليحاولوا الإجابة عن حقيقة العلاقة بين الدين والعلم، وقد غطى هذا الحدث الكبير العديد من وسائل الإعلام العالمية مثل النيوزويك والنيويورك تايمز والعشرات غيرها من أجهزة الإعلام المرئية المسموعة والمقروءة. وكان أبرز ما كتب عن هذا المؤتمر العرض الذي أعدته مارغرت ورثيم لمجلة العلوم الصادرة عن أكاديمية نيو يورك للعلوم عدد أبريل 1999م، والذي سوف نستعرض في ثنايا هذا المقال أهم النقاط الواردة فيه.
أي دين نعني؟
تتحدث كاتبة المقال عن نقطة جوهرية تكررها في ثلاثة مواضع من مراجعتها لقضية الدين والعلم من خلال ما أثير في المؤتمر المذكور آنفاً وهي ما هو الدين الذي نتحدث عنه حينما نعقد المقارنة بين العلم والدين؟ وهو أمر جدير بالاهتمام فكثيراً ما أهملت هذه النقطة الجوهرية عند الحديث عن العلم والدين في كتابات الغربيين، حيث أن أكثر المهتمين بهذا الأمر هم من العلماء الكونيين وليسوا من المتخصصين في علم الأديان، وهم مع ذلك هم ينطقون من خلفية مسيحية أو يهودية فيناقشون مسألة الدين عموماً باعتبارها ممثلة في التراث اليهودي- المسيحي فحسب، أو باعتبار هذه التراث عينة مماثلة للدين بوجه عام. غير أن مارغرت رثيم تنعي هذا الأمر وبشدة على مروجيه وتطالب حين البحث في هذه المسألة بالنظر إلى كافة الأديان والمعتقدات الأخرى حتى وإن كانت معتنقة من قبل قلة من الناس.
وتشدد على هذا الأمر في ختام مقالها مشيرة إلى الصراع القديم الذي كان بين الدين والعلم والذي كان سببه التعصب المسيحي قائلة: "إن ظِلَّ التقليد المسيحي لا يزال يجثم على العالم، ومن الواجب على حركة (العلم والدين) ألا تكرر أخطاء الماضي. والسؤال الذي لا يمكن تجاهله هو: عند أي تأليف بين الدين والعلم أي إله وأي تصور عن الكون يجب تضمنه في هذه العملية".
وهذه دعوة مفتوحة لنا- نحن معشر المسلمين- بأن نمد أيدينا إلى الكثير من القلوب الحائرة التي يكيد لها الإعلام العالمي صباح ومساء صراحةً أو من وراء ستار، بالترويج لاستحالة التقاء الدين والعلم بأي شكل من الأشكال. والأمر في الحقيقة يقترب مما يدعيه هؤلاء المروجون كثيراً إذا نظرنا إلى النسخة اليهودية- المسيحية المحرفة من الدين، والتي تزعم فيما تزعم أن الله قد نزل على الأرض وتعارك مع يعقوب عليه السلام ، أو تتبنى عقيدة التثليث وغير ذلك مما يصطدم مع التنزيه الفطري الذي فُطر الإنسان على استحضاره حينما يفكر في الذات الإلهية. وأذكر ذات مرة أن البروفيسور ستيفن هو كنغ الفيزيائي الشهير، سئل عقب محاضرة ألقاها عن النظرية المرتقبة والتي يرجى أن تفسر جميع القوانين الكونية المعروفة، سئل: هل في هذا الكون مكان لله؟ فأجاب قائلاً: إن إجابتي ب(لا) تجعلني أُصنّف مع الملحدين المنكرين لوجود الله، وإجابتي (نعم) تجعل السائل يتصور أن فهمي لطبيعة الإله مثل فهمه هو لطبيعته. فالأزمة إذن تكمن في التصور اليهودي- المسيحي عن الدين وعن الذات الإلهية لا في ذاته، ويمكننا أن نقدر الحرج الذي يقع فيه العلماء أو حتى عامة الناس إذا خيروا بين الجحود بوجود الله عز وجل وبين الإيمان به على الطريقة اليهودية- المسيحية المشوهة،وهما بلا شك أمران أحلامهما مر.
إشكالية العلم من المنظور اليهودي- المسيحي:
باعتبار السائد بين العلماء عموماً وهم من يحمل خلفية التصور اليهودي- المسيحي فأن الأسئلة التي طرحت في المؤتمر حول العلاقة بين الدين والعلم هي:
1- هل يمكن للكون الذي يصفه العلم الحديث أن يكون من خلق الله (الأله) في التصور اليهودي- المسيحي.
2- هل يستطيع ذلك الإله أن يؤثر في الكون بقوانينه؟ وكيف؟
3 - هل لازال من الممكن للمسيحية- وبالذات ما يخص زعمائها بحلول الله في شخص عيسى الناصري. ووعدها بالبعث- أن تكون مقبوله في ضوء العلم الحديث؟
انبراى للدفاع عن التصور العقدي اليهودي- المسيحي الفيزيائي الإنجليزي الشهير جون بلوكنغهورن المتخصص John Polkighorne في فيزياء الجسيمات والقس في الكنيسة الإنجليكية مستنداً على ما يسمى بالمبدأ الأنثروبي Anthropic principle والذي وضعه في الأساس فيزيائيا أخران هما فرانك تيبلر Frank Tipler وجون باروJohn Barrow ويتلخص المبدأ في أن الكون قد صمم خصيصاً وفصل لكي يسمح للحياة أن تنشاء "فيه عقول أنصار هذا المبدأ: أن على المرء أن يتخيل جميع القوانين والثوابت الفيزيائية المتصوره والتي كان يمكن أن تكون هي المنظمة لشؤون الكون وعلى سبيل المثال مقدار كتلة البروتون أو قيمة (ثابت بلانك) ومن بين هذا العدد الهائل من الخيارات المحتملة فإن القوانين والثوابت التي تحكم بالفعل هذا الكون هي عملياً الوحيدة التي يمكن أن تسمح للحياة الذكية أن تنشاء فيه إن قانون الجاذبية ينص على أن قوة الجذب بين الأجسام تتناسب عكسياً مع مربع المسافة بينها فلو تخيلنا أن هذه القوة كانت حسب قانون أخر يجعلها أقل مما هي عليه الآن لأدى ذلك إلى تباعد الكواكب في النظام الشمس وأنفلتها من أفلاكها بل لما سمح في الأصل بوجود مثل هذا النظام وكذلك فلو أن قوة الجذب زادت قليلاً عما هي عليه لأنهار النظام الشمس على نفسه بل لما تكون مثله أصلاً وفي كلا الانحرافي عن القانون الحالي للجاذبية فان فرص تكون الحياة على سطح الأرض تنعدم وفي إجابته على السؤال الثاني حول إمكانية تأثير الله وتدخله في شؤون الكون فأن بلوكنغهورن يقول: أن ذلك ممكن عن طريق الاحتمالات التي تتيحها فيزياء الكم وعدم القدرة على التنبؤ التي تمليها نظرية الفوضى المكتشفة حديثاً. أما تفسير العقيدة المسيحية المتمثلة في تثليث ولادة عيسى علية السلام من غير أب وقصة الخلق فأن بلوكنغهورن يقول: إنه يجب أن تحمل كل هذه أمور على المجاز وإلا تؤخذ بشكل حرفي .
ورغم التنازلات الكبيرة التي يقدمها القس بلوكنغهورن فيما يخص عقيدته إلا أن الكثير من علماء العصر لا يوافقونه فيما ذهب إليه محتجين في ذلك بأن هناك فرقاً بين تخيل وجود الأشياء وبين وجودها بالفعل. فليس قولنا إن هذا الكون كان يمكن أن تحكمه قوانين وثوابت مختلفة عما هو عليه في وضعه الراهن يدل على إمكانية وجود صيغة أخرى واقعية للكون غير الصيغة التي هو عليها الآن.
فبإمكانك أن تتخيل وجود "عروس البحر" مثلاً ولكن ذلك لا يجعل وجودها الفعلي أمرا ممكناً.
رؤية دينية أخرى:
وبينما يضع بلوكنغهورن هذه الصيغة المدافعة عن الدين والأقل شعبية في الوسط العلمي فأن كيث وورد Keith ward بروفيسير علم الإلهيات في جامعة أكسفورد ينحى منحى أخر في الدفاع عن قضية وجود خالق لهذا الكون يقول وورد: أن القوانين الفيزيائية المكتشفة لا تبرر في الحقيقة وجود الظواهر الكونية ولكنها فقط تعمل على تفسير عمل هذه الظواهر. إن القانون الفيزيائي المتعلق بالجاذبية مثلاً لا يمكن ان يكون بذاته المسبب لحدوث ظاهرة التجاذب وبطريقة أخرى فيمكننا أن نسأل السؤال التالي: من الذي يجبر الأجرام السماوية على أن تتصرف وفقاً لقانون الجاذبية؟ إنه قطعاً ليس القانون ذاته لأن القانون بصف العلاقة ولا يسببها وترى الكاتبة مارغريت ورثيم أن هذا الاحتجاج أسلم بكثير وأكثر قبولاً في الأوساط العلمية من سابقه الذي يتبناه بلوكنغهورن.
والحقيقة أن هذه الحجة هي من أقوى الحجج على "قيومية" الله عز وجل، وعدم غفلته عن الكون طرفة عين ولا أقل من ذلك، فإن الكون كله محتاج إلى وجوده سبحانه وإلى قيامه عليه وإلا لزال وانتهى، فالقانون لا يحميه من الزوال ولا يجبره على التصرف بالطريقة التي نراه عيها ولكن الكون كما قال عز وجل قائم بأمره هو: (ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره) الروم25، ولو تخلى عنه لتلاشى وانتهى من فوره: (إن الله يمسل السموات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد م بعده) فاطر41، وعلى ذلك فإن تدخل الله عز وجل وتأثيره في الكون ليس محصوراً في احتمالات الكم أو التنبؤات نظرية الفوضى كما يزعم بولكنغهورن، ولكنه ماثل في كل زمان ومكان ومن وراء القوانين والحقائق، يمدها بسبب وجودها، كما يأمر الكائنات أن تسير وفقها. وإذا شاء أن يعطلها فعل، كما أمر النار أن تكون برداً وسلاماً على إبراهيم.
النصرانية والتحريف الجديد:
نلاحظ مما سبق أن "الفيزيائي المسيحي" تخلى عن الإيمان بالكثير من القضايا المذكورة في الكتاب المقدس أو أوّلها تأويلاً مجازياً لا يتفق مع دلالات الكلمات واللغة. ومن ضمن هذه التأويل تأويل المعجزات مثل ولادة عيسى عليه السلام من أم بلا أب ، وهو أمر يمكن عده نوعاً من "المجاملة" العقلية الغربية الحديثة التي ترى الإيمان بهذه الأمور دليلاً على الرجعية والتخلف. وإلا فما المانع العقلي إذا سلمنا بوجود الخالق أن يعطل هذا الخالق عمل هذه القوانين، أو أن يستحدث غيرها إذا شاء، اللهم إلا أن يكون ذلك استرضاءاً للجماهير التي استولت عليهم النظرية المادية المقيتة. إنها ذات الطريقة التي سلكها أهل الكتاب من قبل في تحريفهم الكتاب بحسب أهوائهم وشهواتهم. وكما قيل في السابق حينما اعتنق الإمبراطور الروماني النصرانية وأدخل فيها ما أدخل من تحريف وتبديل "إن العلم لم يتنصر ولكن النصرانية تروَمت"، فإنه يمكن القول الآن أن العلم لم ينتصر ولكن النصرانية "تعلمنت"!! وكما ختمت الكاتبة مارغريت ورثيم مقالها بالدعوة إلى إشراك التصورات الدينية الأخرى عن الدين، حين نبحث في قضية الالتقاء بينه وبين العلم، فإننا نختم مقالنا هذا بحث العلماء والمتخصصين من المسلمين على التفاعل الإيجابي مع هذه الدعوة وذلك بالتعمق في مجالاتهم العلمية أولاً، ثم بطرح رؤية جديدة حول دور العلم ومكانته ودور الدين ومكانته من المنظور الإسلامي. إن الإسلام هو المرشح الوحيد لرأب الصدع المتنامي بين هذين المصدرين من مصادر المعرفة، لكونه الدين السماوي الوحيد الذي سلم من التشوية والتبديل. ولا عجب أن يزول التناقض حينئذ بين الدين والعلم إذا علم أن مصدر المعرفتين واحد.





1cd21260a6 تحياتي 1cd21260a6