مصر في العصر العباسي

تعد انطلاقة المسلمين من جزيرتهم العربية إلى بلاد الشام والعراق تسجيلًا لصفحة خالدة من صفحات تاريخهم المجيد، وكان ما تحقق على أيديهم في بضع سنين أبعد بكثير من توقعات القادة والخلفاء.

مصر في عهد الخلفاء الراشدين:
وما إن استقر المقام بعمرو بن العاص في فلسطين حتى شعر بالحاجة الماسة لفتح مصر بهدف تأمين بلاد الشام من الخطر البيزنطي الجاثم فوق أرض مصر، فاستأذن الخليفة عمر بن الخطاب رضي لله عنه في فتحها، وأذن له بعد تردد، فقصدها عمرو بن العاص على رأس أربعة آلاف رجل واستهل أعماله بفتح العريش والفرما وبلبيس، ملحقًا الهزائم المتوالية بالبيزنطيين الذين انسحبوا إلى حصن بابليون، وبعد حصار دام بضعة أشهر دخل المسلمون إلى مصر وعبروا النيل غربًا وفرضوا الحصار على الإسكندرية إلى أن فتحوها صلحًا سنة 21هـ/641م، وتابع عمرو فتوحاته في الجنوب، غير أن ملك الروم الامبراطور قسطنطين Constantine استغل انشغال عمرو بن العاص بفتوحاته لتلك المناطق ووجه إلى الإسكندرية حملة بحرية تمكنت من دخول المدينة فنهبتها وقتلت عددًا من سكانها، فعاد عمرو مرة ثانية ودخل الإسكندرية وهزم البيزنطيين وقتل قائدهم بمساعدة سكانها الأقباط، وقام ببعض الإصلاحات ورفع المظالم والغرامات التي فرضها الروم على السكان وعاملهم معاملة حسنة وأعاد مطرانهم بنيامين إلى كرسيه مما استجلب محبتهم ودانوا له بالطاعة والولاء.

وفي مدة ولايته أنشأ عمرو بن العاص مدينة الفسطاط لتكون مقرًا لولاة مصر من بعده. وفي عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه جعل على ولاية مصر سنة 23هـ/643م أخاه في الرضاعة عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي باشر بتوجيه الحملات العسكرية إلى شمالي إفريقيا، وهو أول من فكر بإنشاء أسطول عربي بالتعاون مع والي الشام معاوية بن أبي سفيان، بهدف القضاء على النفوذ البيزنطي على سواحل المتوسط الشرقية والجنوبية. وفي عهد عبد الله بن أبي السرح وصلت الجيوش الإسلامية إلى دنقلة في السودان سنة 31هـ/651م وصالح أهلها بموجب معاهدة اشتملت بنودها على بعض الاتفاقيات الاقتصادية.

على الصعيد الداخلي أدت مصر دورًا خطيرًا في أحداث الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان رضي الله عنه فقد استغل مثيرو تلك الفتنة انشغال عبد الله بن أبي السرح بالحرب مع ملك النوبة فقاموا بتحريض المصريين على الخليفة وعامله على مصر، بزعامة محمد بن أبي حذيفة الذي كان له ولأتباعه دور أساسي في مقتل الخليفة عثمان، وغداة تلك الحادثة المشؤومة أعلن محمد بن أبي حذيفة البيعة لعلي في الوقت الذي التف فيه أتباع عثمان حول معاوية يتقدمهم معاوية بن حديج، غير أن الأوضاع في مصر لم تستقر إلا بعد استشهاد علي بن أبي طالب والإعلان عن خلافة معاوية بن أبي سفيان، الذي وجه إليها جيشًا بقيادة عمرو بن العاص وتمكن من السيطرة عليها وإخضاعها من جديد سنة 41هـ/661م لتصبح مصر منذ ذلك التاريخ ولاية أموية.

مصر في العصر الأموي:
تنبه الأمويون منذ بداية عهدهم إلى أهمية مصر وكونها مع بلاد الشام قادرة على منازلة البيزنطيين الذين استغلوا فترة الحرب الداخلية ما بين علي ومعاوية رضي الله عنهما فكانوا يعاودون الغارة بين الحين والآخر على السواحل الشامية والمصرية، ومن جهة أخرى كانت مصر -منذ تولي معاوية سدة الخلافة- القاعدة الأساسية التي تنطلق منها الجيوش الإسلامية باتجاه إفريقيا ثم إلى الأندلس فيما بعد، لكن مصر لم تكن موالية دائمًا لبني أمية فقد وقف المصريون بعد وفاة يزيد بن معاوية سنة 64هـ/683م إلى جانب عبد الله بن الزبير في مواجهة عبد الملك بن مروان، غير أنهم ما لبثوا أن دخلوا في طاعة عبد الملك بعد أن لجأ إلى استمالتهم وتأليف قلوبهم، وخصوصًا حينما وليها أخوه عبد العزيز بن مروان، وبالرغم من ذلك كان شيعة علي يتحينون الفرص بين الحين والآخر ليعلنوا تمردهم على سلطان بني أمية، وليس أدل على ذلك من أن مروان بن محمد لم يجد من أهل مصر من يقف إلى جانبه حينما لجأ إليها حتى مقتله سنة 132هـ/750م.

مصر في العصر العباسي:
وفي العهد العباسي تحولت حاضرة مصر إلى مدينة المعسكر التي أنشأها صالح بن علي العباسي، وكان الخلفاء العباسيون يقلدون ولايتها للأكفياء من قادتهم، فقد تولاها إبراهيم بن صالح وحميد بن قحطبة، ومع ذلك لم يستقم أمرها لبني العباس كما كان متوقعًا، إذ شهدت العديد من حركات التمرد، كتلك التي قادها دحية بن مصعب بن الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان، وهو من بقايا بني أمية، خرج في صعيد مصر سنة 165هـ/781م على أميرها إبراهيم بن صالح، ومنع الأموال وعظم أمره حتى إنه دعا لنفسه بالخلافة وبايعه كثير من وجوه مصر وكاتبوه لدخول الفسطاط، كما وقف المصريون إلى جانب العلويين في كثير من المناسبات وخصوصًا في أثناء الثورة التي قادها محمد بن عبد الله المعروف بالنفس الزكية، وعدت مصر ملاذًا آمنًا لبعض من هاجر إليها منهم كإسحاق بن جعفر الصادق الذي لجأ إليها مع زوجه نفيسة بنت الحسن بن زيد بن الحسن بن علي، وفي الوقت ذاته كانت مصر معبرًا آمنًا للهاربين إلى المغرب والأندلس سواء كانوا من الأمويين (عبد الرحمن الداخل) أم العلويين (إدريس بن عبد الله) اللذين تمكنا من إقامة دولتين مناهضتين للدولة العباسية في الأندلس والمغرب.

ومن جهة أخرى شهد تاريخ مصر في أثناء تبعيتها للخلافة العباسية ظهور بعض القادة المتنفذين أصحاب النزعة الاستقلالية من أمثال عبد العزيز بن الجارور الذي فرض سيطرته على الوجه القبلي في الوقت الذي سيطر فيه السري بن الحكم على الوجه البحري، وابن الحكم هذا من القادة الدهاة أصله من خراسان كان أشد فتكًا بأهل مصر، ويروى أن عددًا من أتباعه تمردوا عليه في إحدى المعارك بقيادة أخ له فتغلب عليهم وحملهم جميعًا في مركب وأمر بإغراقهم في النيل. وفي هذه الفترة قدمت مصر قبيلتا لخم وجذام واستبد رؤساؤهم بالإسكندرية والمناطق الغربية ونجم عن ذلك اضطراب الأحوال الأمر الذي هدد الوضع السياسي والاجتماعي في مصر لو لم يأت الخليفة المأمون نفسه إليها على رأس حملة كبيرة مكنته من إعادة النظام والاستقرار. ومنذ منتصف القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي بدأت مصر تتجه نحو الاستقلال مع بقاء تبعيتها شكلًا للدولة العباسية.

الدولة الطولونية في مصر:
عقب تعيين أحمد بن طولون واليًا على مصر سنة 256هـ/869م بعد وفاة واليها التركي الأصل باكباك (بقبق)، وعلى إثر الحروب التي خاضها ضد البيزنطيين، استطاع أن يضم بلاد الشام إلى مصر، وقد أقره الخليفة على ذلك، وتمكن ابن طولون من إنشاء دولته التي استمرت في أسرته حتى نهاية القرن الثالث الهجري، شهدت مصر في أثنائها ازدهارًا ملحوظًا إذ ينسب لأحمد بن طولون إنشاء مدينة القطائع التي أصبحت عاصمة له، وقيامه بتشجيع الصناعة والتجارة والزراعة بحيث تحسنت أحوال الناس على اختلاف طبقاتهم، ولقي أهل الذمة معاملة كريمة منهم، فكان المسلمون يحتفلون بأعيادهم احتفالهم بعيدي الفطر والأضحى.

كما يعزى إلى الطولونيين اهتمامهم بالعلوم والآداب، وكان جامعهم الذي لا يزال شاهدًا إلى اليوم هو نفسه المدرسة التي خرّجت أكابر العلماء من أدباء وشعراء وفقهاء، أما في الجانب العسكري فتشير الدراسات إلى اهتمام أحمد بن طولون بالجيش الذي وصل عدد أفراده إلى ما يزيد على مئة ألف من العرب والسودانيين والأتراك الذين جُهزوا بأحدث الأسلحة، وكان إلى جانبه أسطول ضخم استحدث له دارًا للصناعة في محلة الروضة، ولمع في بلاط الطولونيين من القادة طغج بن جف أبو الإخشيد الذي اتصل بخدمتهم منذ أيام خمارويه بن أحمد، وحقق لهم انتصارات باهرة على الجيوش البيزنطية مهدت له الوصول إلى حكم مصر.

الدولة الإخشيدية في مصر:
على إثر زوال الأسرة الطولونية أسند الخليفة العباسي الراضي ولاية مصر إلى محمد بن طغج ولقبه بالإخشيد (من ألقاب ملوك فرغانة) تقديرًا لخدماته، وكان الإخشيد ملكًا مهيبًا استطاع أن يمد نفوذه إلى الشام والحجاز باعتماده على جيش زاد عدد أفراده على 400000 جندي، وبعد وفاته بدمشق سنه 335هـ/946م خلفه على الحكم مؤدب أبنائه كافور الحبشي الذي وصفه ابن خلكان بصفات مزرية، ويبدو أن عهده كان قاتمًا، إذ تعرضت مصر للعديد من الكوارث والحروب من جانب أعدائها ملوك النوبة، وقل شأنها، الأمر الذي مهد إلى دخول الفاطميين إليها على يد جوهر الصقلي سنة 358هـ/968م بعد ما يزيد على 35 سنة من عمر هذه الدولة.

وبوجه عام كانت حضارة الإخشيديين مماثلة للحضارة الطولونية لقرب العهد بينهما، فقد نعمت البلاد بالرخاء والثراء في أيامهم وقطعت شوطًا كبيرًا في إرساء قواعد الحرية والعدالة بين الناس، وتذكر بعض المصادر أن الإخشيد نفسه كان يجلس للمظالم كل يوم أربعاء، وحذا حذوه كافور، ومن أشهر قضاة هذا العهد محمد بن بدر الصيرفي والحسين بن أبي زرعة الدمشقي. أما على الصعيد العلمي فقد كان بلاط الإخشيد ومن بعده كافور عامرًا بالعلماء من مختلف الفنون، وممن نبغ في عهدهما أبو إسحاق المروزي والحسن بن رشيق المصري، ومن المؤرخين أبو عمر الكندي، ومن الشعراء كشاجم وأبو الطيب المتنبي الذي مكث في بلاط كافور ما يزيد على أربع سنوات، أما من الناحية العمرانية فينسب إلى الإخشيد بناء قصر المختار، وإلى كافور القصر الذي أنشأه فيما يعرف بالبستان الكافوري.

الدولة الفاطمية في مصر:
نجح الفاطميون بالزحف إلى مصر بعد محاولات عدة أيام المعز لدين الله على رأس جيش يقوده جوهر الصقلي سنة 358هـ/968م الذي أمر فور دخوله إليها بإنشاء مدينة القاهرة والجامع الأزهر، ولحق به الخليفة المعز الذي كان في مقدمة أعماله نشر المذهب الفاطمي بين المصريين ومنعهم من لبس السواد شعار العباسيين، ومن أجل أن يعزز نفوذه فيها حصر الوظائف الهامة بأتباع المذهب الشيعي؛ فكان ذلك مدعاة لقبول كثيرين من أهل مصر اعتناق هذا المذهب.

وكيفما كان فقد تمكن الفاطميون في فترة حكمهم من القضاء على خصومهم وظهر منهم خلفاء أكفياء وكانوا على قدر من المسؤولية وحسن الإدارة مثل المعز لدين الله (362 – 365هـ/972 -975م)، والعزيز بالله (365 – 386هـ/975 – 996م)، فدانت لهم مصر بالولاء واتسع نفوذهم ليشمل الحجاز واليمن في أثناء انشغال الخلافة العباسية بالمشكلات التي كانت تواجهها، ثم إنهم تصدوا لقوة القرامطة حينما انقلبوا عليهم في أعقاب انقطاع الأتاوي التي كانوا يأخذونها من أهل الشام، وتمكن العزيز بالله من هزيمتهم سنة 368هـ/978م لتدخل الشام بالكامل في طاعة الفاطميين، وبلغ الفاطميون ذروة نفوذهم حينما سير المستنصر بالله حملة عسكرية إلى بغداد تمكنت من دخولها وأخرجت خليفتها القائم العباسي من بغداد قسرًا سنة 450هـ/1058م وخطب أرسلان بن عبد الله البساسيري أحد دعاة الفاطميين لمولاه المستنصر على منابر بغداد.

ويذكر أن المستنصر بقي في سدة الخلافة ستين عامًا وهي فترة لم يسبق لأي من الخلفاء أن عمرها من قبل، غير أن مظاهر الضعف بدأت تظهر في مفاصل الدولة منذ بداية عهده بعد أن أطلق أيدي الوزراء في الإدارة، وبدأت تتلاشى ملامح الأمجاد التي حققها الخلفاء من قبله لتتحول الأوضاع في مصر إلى فوضى عارمة أسهمت في إضعاف بنيتها وشجعت الطامعين بالانفصال عنها، فقد أعلن الحسن بن علي بن باديس الصنهاجي استقلاله بشمالي إفريقيا، وعادت بغداد مرة ثانية لبني العباس، واستقلت بلاد الشام بزعامة آل مرداس والحمدانيين بالوقت التي أخذت تزداد فيه هجمات النورمانديين Normans على السواحل الخاضعة للسيادة الفاطمية في شمالي إفريقيا وأصبحت حال الخلفاء في مصر كحال خلفاء بني العباس في العراق يقنعون بما يمنح لهم من قبل الوزراء.

والجدير بالذكر أن عصر الوزراء في مصر بدأ ببدر الجمالي وهو أرمني قدم مصر في عهد المستنصر في ثوب زائر ثري استدعاه المستنصر في آخر عهده ليتغلب على المصاعب التي كانت تواجهه بيد أن هذا الوزير ما لبث أن استبد بالأمر، وجاء من بعده ولده الأفضل ثم حفيده أحمد بن الأفضل، وتتابع مسلسل الوزراء المستبدين وتلقب بعضهم بألقاب ملكية كرضوان الوحشي وطلائع بن زريك اللذين مهدا للتدخل الأجنبي في شؤون مصر.

وكان من نتائج هذا التدخل أن استعان الوزير شاور بنور الدين زنكي. في حين استعان الوزير ضرغام بن عامر بالصليبيين وانتهى الأمر أخيرًا بمقتل ضرغام سنة 559هـ/1163م على أيدي المصريين ومقتل شاور سنة 564هـ/1168م على يد صلاح الدين الأيوبي.

ترك الفاطميون بعد ما يزيد على مئتي عام في حكم مصر حضارة واضحة المعالم انصب اهتمامهم في المقام الأول على تنظيم الفكر الشيعي ونشره على أوسع نطاق، من جهة أخرى كان قصر الحاكم بأمر الله صاحب الشخصية المضطربة مركزًا لتيارات فكرية مختلفة تظهر واقع المجتمع الإسلامي والظروف التي كانت تمر بها الأمة في مشرقها ومغربها وكان وراء تلك التيارات عناصر شيعية وسنية ومسيحية ويهودية ولا دينية، ومثلت دار الحكمة التي أنشأها الحاكم الجامعة التي استقطب إليها العلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي للبحث والتدريس والتأليف بمختلف العلوم والفنون ومن أبرز الشخصيات التي أمّت بلاط الحاكم بأمر الله الفلكي الشهير علي بن يونس وعالم الطبيعيات والبصريات الحسن بن الهيثم والمؤرخ ابن زولاق والشاعر ابن هانئ الأندلسي وعمارة اليمني. ولعل من ألمع الشخصيات التي عاصرت الحكم الفاطمي في سورية الشاعر الفيلسوف أبا العلاء المعري الذي رفض بإباء ما قدمه إليه قائد جيش المستنصر بالرغم من فقره المدقع.

أما على صعيد البناء والعمران فقد ترك الفاطميون آثارًا خالدة يأتي في مقدمتها كما سبق مدينة القاهرة والجامع الأزهر، وما الأبواب التي لاتزال ماثلة إلى اليوم (باب زويلة – باب النصر- باب الفتوح) سوى نماذج من تلك الآثار الفنية الرائعة التي جعلت مصر تحتل مرتبة متقدمة في هذا المجال.

الدولة الأيوبية في مصر:
بوفاة الخليفة الفاطمي العاضد سنة 567هـ/1171م والتي تلتها وفاة نور الدين زنكي570هـ/1174م أصبح صلاح الدين الأيوبي الذي قدم مصر مع عمه أسد الدين شيركوه سلطانًا عليها فاستقل بها مع اعترافه بالتبعية للخليفة العباسي. في هذا الوقت كانت بلدان المشرق العربي تشهد فراغًا سياسيًا بعد وفاة نور الدين بسبب الانقسامات بين القادة والمتنفذين، وكان الصليبيون يراقبون مايجري عن كثب ويتحينون الفرص المواتية للتدخل. فلم يكن أمام صلاح الدين سوى أن يزحف الى الشام لبناء قاعدته الداخلية فتوجه إليها وضمها إلى مصر ثم تابع معاركه ضد المعارضين إلى أن بلغ الموصل شرقًا ثم اتجه إلى إفريقيا فأرسل حملة مكنته من الاستيلاء على سواحلها الشمالية واسترداد قابس من النورمانديين، وبعث بحملة أخرى إلى السودان فضمها إلى ممتلكاته وأرسل أخاه طوران شاه إلى اليمن فدخلها وضمها مع الحجاز إلى دولته التي أصبحت في نهاية عام570هـ/1174م قوة إقليمية وسط صخب الأحداث التي كانت تشهدها المنطقة.

وبعد أن اطمأن إلى وضعه الداخلي وجه اهتمامه إلى تحرير بلاد الشام من القوى الصليبية وتم على يديه تحقيق النصر الكبير في حطين سنة 583هـ/1187م وأخرج الصليبيين من بيت المقدس وبعض المدن والحصون في سواحل بلاد الشام، ومع أن الصليبيين حاولوا غزو مصر أكثر من مرة بهدف إضعافها غير أن صلاح الدين كان على الدوام يتصدى لمحاولاتهم ويحبط خططهم فكان الجهاد من أبرز سمات عصره، ولكن بعد وفاته سنة 589هـ/1193م تقطعت أوصال دولته بسبب الشقاق الذي شجر بين إخوته وأبنائه فقام شقيقه الملك العادل بفرض سيطرته على مصر التي استمر حكمها في أبنائه وأحفاده حتى نهاية العصر الأيوبي.

دولة المماليك في مصر:
كانت مصر بعد وفاة صلاح الدين هدفًا للحملات الصليبية المتتالية وكان خلفاء صلاح الدين يتصدون لها باستمرار، غير أن الحدث الأبرز في تلك المواجهات كانت عندما تصدى الملك الصالح نجم الدين أيوب مع مماليكه لجيوش الحملة الصليبية السابعة بقيادة ملك فرنسا لويس التاسع Louis IX الذي قرر احتلال مصر لاعتقاده أن استرجاع بيت المقدس لايمكن أن يتحقق إلا بالقضاء على قوتها، وفعلًا استطاعت هذه الحملة أن تصل إلى دمياط لكنها منيت بهزيمة كبرى في المنصورة سنة 647هـ/1249م ومع أن الصالح أيوب أدركته الوفاة في أثنائها، فإن شجرة الدر كتمت نبأ وفاته وتابع مماليكه الحرب بقيادة ولده توران شاه وألحقوا الهزيمة بالصليبيين بعد قتل وأسر عدد كبير منهم، وكان من بين أسراهم قائد الحملة نفسه لويس التاسع الذي لم يسرح إلا بفدية كبيرة مع الالتزام بألا يعود إلى مثلها في قادم الأيام.

شكل المماليك الذين جلبهم سلاطين الدولة الأيوبية معظم الجيش الذي اعتمدوا عليه في منازلة خصومهم، وبعد وفاة السلطان نجم الدين أيوب استأثر هؤلاء بالحكم إثر مقتل ولده طوران شاه، واتفقت كلمتهم على تولية شجرة الدر عرش السلطنة، لكن هذا الإجراء لقي معارضة من جانب بعض المحافظين الذين استنكروا أن تلي أمر المسلمين امرأة فتزوجت شجرة الدر أتابك الجيش (قائده) عز الدين أيبك ليكون ستارًا تحكم من خلاله، غير أن أيبك استبد بالأمر وانفرد بالسلطة دونها فسعت إلى اغتياله لكن مماليكه قتلوها بالوقت الذي كان فيه المغول يكتسحون أقاليم الخلافة العباسية من جهة الشرق، فحزموا أمرهم واختاروا المظفر قطز ليكون سلطانًا على مصر.

ينتمي المماليك إلى أعراق مختلفة، لكن غالبيتهم من الأتراك والشراكسة، وفيهم بعض الروم والأكراد والأوربيون، جيء بهم للتجنيد على فترات من شبه جزيرة القرم، والقوقاز، والقبجاق، وآسيا الصغرى، وتركستان، وبلاد ما وراء النهر. وقد اتفق المؤرخون على أن المماليك صنفان عرف الصنف الأول باسم المماليك البحرية، أو الأتراك؛ عرفوا بهذا الاسم لأن إقامتهم كانت بجزيرة الروضة في النيل قبالة القاهرة. حكمت هذه الجماعة مصر بالفترة مابين 655-784هـ/1257- 1382م. وبلغ عدد سلاطينها أربعة وعشرين سلطانًا، بدأت بعز الدين أيبك وانتهت بالسلطان حاجي بن شعبان، من أحفاد الناصر قلاوون، أما المجموعة الثانية فتعرف بالمماليك البرجية؛ لأن الأشرف خليل بن قلاوون أسكنهم في أبراج قلعة القاهرة وهم من الشراكسة، بدأ حكمهم بفرج بن برقوق وانتهى بمقتل السلطان الثالث والعشرين طومان باي سنة 923هـ/1517م.

وعلى العموم يمكن القول إن دولة المماليك كانت امتدادًا للدولة الأيوبية من حيث الإدارة والنهج، وفي مدة حكمهم في مصر خضعت لهم بلاد الشام والحجاز وبعض سواحل اليمن، وتصدوا للمغول وانتصروا عليهم في معركة عين جالوت الشهيرة 658هـ/1260م، وأخرجوهم من بلاد الشام ثم تصدوا للصليبيين من بعدهم واستردوا منهم بعض المدن الساحلية، ومنها كانوا يشنون الحملات على القواعد والإمارات الصليبية إلى أن قضوا على وجودهم نهائيًا سنة 692هـ/1292م.

وبعد نجاح البرتغاليين باكتشاف رأس الرجاء الصالح تصدوا لطلائعهم التي وصلت إلى سواحل شبه الجزيرة العربية والبحر الأحمر، غير أنهم أخفقوا في مواجهتها لأن دولتهم آنذاك كانت على وشك السقوط في أعقاب هزيمتهم أمام العثمانيين في معركة مرج دابق سنة 922هـ/1516م ليسدل الستار على الدولة المملوكية في أعقاب معركة الريدانية سنة 923هـ/1517م.

مصطفى الخطيب

بدون تعليقات
  1. ( أسوتي النبي ) يقول

التعليقات مغلقة.